محمد مصطفي السوداني koosh76@gmail.com
كتابات سودانوية
 |
| صورة لغلاف كتاب عن الحياة اليومية في السودان القديم |
(جزور
سودانية)
مثلث الحضارة السودانية .. او سر القوة ، وزمن الضعف (1)..
لا تعرف السبب الذي
جعل الله يزرع النهوض في بطن السقوط .. والقوة من بطن الضعف .. والاستجابة من بطن
التحدي ..
تري ذلك في كل شئي ،
فالدنيا من خطاء ادم ، والحضارة من وجع الاستجابة ، والصباح من اخر الليل البهيم ،
وفي الدين .. من بعد كل عسر يسر ..
تراه في قدرة الله في خلقة ، فإذا العنبر افراز
حوت مريض .. واذا المسك من اباط الغزال .. وإذا اللبن من بين فرث ودم ..
ويتجلى ذلك في حلكة
الليل التي تسبق الصباح .. وفي قيم المجتمع في قولهم " حلاوتها في شقاوتها "
يقصدون الدنيا .. وفي القيم المدسوسة في ثنايا القصص الشعبية ، و(البطل) في القصة
يمشي في ( درب اليروح ، وما يرجع ) ..
في كل ذلك وغيره ..
تجد الافراد ذاتهم نتاج الأمهم وتحدياتهم ، كما هم نتاج افراحهم ، وربما الاولي
اكبر أثراً .. وكل نجوم الانسانية أناس خرجوا من بطن التعب ، يشمل ذلك الانبياء ..
تجد كل ذلك في بطن
تاريخ السودان .. كل هذا البوخ الذي يشرح لك طرف من ( سر القوة .. وزمن الضعف
) وهو شئي يرتبط بإدارة ( مثلث الحضارة
السودانية) بأضلاعه الثلاث ( ادارة التنوع .. ادارة الموارد .. وادارة الاتصال
الخارجي) .. ويستند كل ذلك علي خام ( روح التسويات ، والمشاركة ) ..
وككل خلطة لابد من
اضافات مهمة تعطي النكهة والشخصية لها ، فيرتبط النهوض بالقدرة علي التكيف ، والتقاط
قفاز التحديات لا تجنب مواجهتها ، وملاحظة الاشارات ، والصبر ، والتنظيم والخطة ..
يظهر بوخ نجاح الخلطة
في القوة المادية ، الانتاج ، والخصوصية .. ويشرح لك ذلك التباين بين حضارة واخري ،
وبين الحضارة ذاتها في مراحل مختلفة ..
مثلث
الحضارة السودانية :
وفي الحقيقة عندما
تنظر من قريب فإنك تجد اضلاع مثلث الحضارة السودانية ، ترتبط مع بعضها البعض برباط
قوي .. فكل واحدة تستند علي الاخرى .. فإدارة الموارد هي التي تمنح المجتمع قوته
الاقتصادية ، وادارة التنوع هي التي تمنح المجتمع استقراره لإدارة هذه الموارد والاستفادة
منها ، وادارة الاتصال الخارجي يعتمد علي كل ذلك ، لتتحرك عن قوة .. فمواردك المصدرة
، وتلك المستوردة تعتمد علي سوقك الداخلي المستعد للتصدير بإنتاجه ، ومنتظر
للمستورد بقدرته علي الشراء ، وعلية فإن المثلث مشدود بطريقة دفع ذاتي غير مرئي ..
وبالمقابل فإن ايام
الضعف ترتبط مع فشل اداره المثلث اعلاه ، وضعف الثقة بالذات السودانية ، وغياب
الخصوصية ، والانهيار امام الغريب والاخر ، وضعف المرحلة اقتصادياً ، واستقبال المكونات الخارجية كمكون كامل دون تدبر ..
ويرتبط كل ذلك طوالى
بالصراع الداخلي ، والتدابر ، لغياب روح التسويات والمشاركة ، وبسبب ان الانتصارات
الصغيرة داحل البيت تعزيك عن هوانك في الخارج ! وتصبح بمثابة حيل نفسية تجنب المجتمع
والافراد احتقارهم لذاتهم الضعيفة ..
إدارة
مثلث الحضارة :
لكل ذلك نجد ان نهوض
الحضارات ارتبط (بالمعاناة) في السيطرة علي المجري (الماء الطويل المتوحش) وضبطه ،
فهو اذا! نتاج عمل طويل مضني من التعب ، وتجفيف المستنقعات ، و(فتح الدرب) وتطوير
الادوات ، وتوزيع المهام .. كل ذلك هو عبر تراكم من مزيج (ادارة التنوع) بإيجاد
تسويات بين المجموعات المتقاربة ، والمتنافسة في ذات الموارد ، و(ادارة الموارد) المتاحة
وتطويرها .. و(ادارة الاتصال الخارجي) ، مع المجموعات الداخلية في جهات اخري ، ومع
العالم الخارجي ..
النجاح في هذه
الادارة ، هو الذي يجعل الحضارات تتمايز فيما بينها ، وتتمايز في الحضارة ذاتها في
مراحل مختلفة ..
(
تاسيتجي) النهوض الاول .. سر القوة :
1)
ادارة الموارد والتنوع :
طالما كان ذلك سر قوة السودان وتحضره في مراحلة المختلفة .. نجد نضج
حضارة ( تاسيتجي) الرائدة في قدرتها علي ادارة المثلث اعلاه .. حيث نري ظهور
الطبقات المجتمعية ، مما يدل علي تعقيده ، ونري ذلك في منازلها التي تظهر طبقتين ،
غنية تسكن في منازل مبنية من الحجر ، وفقيرة تسكن في منازل من القش .. وكزلك ظهر
ذلك في القبور التي وجد بعضها غني بمواده وواسع في مساحته ، يدل علي رفعة المدفون ..
وبالمقابل وجدت قبور بسيطة مجرد حفر باثاث جنائزي بسيط يدل علي ان المدفون من طبقة
فقيرة ..
والتعقيد والتخصص في انماط العيش الذي ظهر في تباين الاعمال من رعاة ،
مزارعين ، حرفيين ، وتجار .. وثم اسرة حاكمة متنفذة علي مجتمعها ..
2)
ادارة الاتصال الخارجي :
يظهر ذلك جلياً في القبور التي وجد بها مواد مستوردة من سورية ولبنان
، واتصالات مصرية بالمقابل ، وقد وجد فخار (تاسيتجي) في مصر كزلك ..
وهناك تصورات لبعض الأثاريين ان الحضارة انتقلت ل(تاسيتجي) من حضارات
بين النهرين ، ومن ثم لمصر ..
وعلي كل حال فإن المتوفر من اثار واشارات كافي لتفهم ان (تاسيتجي)
كانت قادرة علي الاتصال ، والتكيف والتبادل الندي .. مستخدمة ادوات التنظيم ،
والاستجابة .. وبالمقابل الصبر علي المشي في الدرب الطويل غير المطروق كحضارة
رائدة ..
تاسيتجي .. زمن الضعف .. او الانحطاط الاول :
في المرحلة المتأخرة بدأت (تاسيتجي) تضمحل ،
ولاحظ الاثاريين ان الوثائق الفرعونية تشير إلي هبوط منسوب فيضان النيل إلي مستوي
كارثي كان له ضرر كبير في تلك المرحلة باعتبار ان الزراعة هي عماد الحضارة ذاتها ..
ولكن ما لاحظة الاثاريين ان سودان (تاسيتجي) سيكون قد تضرر بسبب هذا الانخفاض كزلك
، ولكن بطريقة مضاعفة بسبب طبيعة ( طوبغرافية ) المكان .. لذا ليس في الامر عجب ان
نهاية (تاسيتجي) كانت قريبة من ذلك التاريخ ..
ومن الممكن الاستنتاج
بسهولة ان مثلث الحضارة باضلاعه الثلاث من ادارة الموارد .. والتنوع .. والاتصال
الخارجي ، قد تداعت اوصالة عبر تراكم لان الانهيار لا يأتي فجأة ، وما حدث من فعل
الفيضان اطلق الرصاصة الاخيرة علي جسد منهك اصلاً ..
هذا الانهيار في بنية
المجتمع الزراعية ، تداعي علي كل شئي ، مفككاً السلسلة الوثيقة المترابطة من مصالح
المجتمع الاقتصادية ، فالمزارع يعتمد علي الحرفي في ادواتة .. والاخر يقايضة
بالحبوب .. والراعي يتسوق في المدينة مقايضاً ببهائمه .. والسلطة موجودة لأنها
تنظم ذلك ..
هذه السلسلة تفككت ،
ومن ثم تفكك استقرار المجتمع .. فالفقر والندرة يورث التنازع ، وضعف الدولة
وهيبتها .. وعندما تري الدولة ذلك تنزع لفرض هيبتها بالقوة التي تنهك ما تبقي لها
من قوة ، وما تبقي لها من هيبة .. وهنا ينزع المجتمع بمكوناته للرجوع لمكوناته
الاولي بطريقة خشنة في ما يشبه المحاصصة المجتمعية ليملاء الفراغ .. فتبرز القبلية
والجهوية بشكلها القبيح ، لا الايجابي الذي يظهر التفرد ..
كل ذلك اسقط مثلث
الحضارة لدي سودان (تاستجي) ، قبل ان تسقط (تاسيتجي) عملياً في النسيان ..
لذا فإن ضربات فراعنة
الدولة العتيقة وجدت في المكان الضعيف وضع ملائم لأخذ حاجتها من الخام (بالمجان) بعد
ان كان ذلك مقايضة ندية في الاول ..
وهو ما عرض (تاسيتجي)
لمزيد من الضغوط التي لم تكن قادرة علي مواجهتها بسبب انهيارها للداخل ، وعزلتها ..
وهو ما ادي ليس فقط
لسقوطها ، بل ايضاً لبدء جزور (العادة الغامضة) للمراحل الضعيفة المتأخرة المشابهة
، للسودان كمكان خام ، ومصر كمكان ذو هيبة ، ونفوز نفسي ..
نواصل