الجمعة، 6 أبريل 2012

اناشيد غاية المني


دة نص ادبي .. كتبتوا من ذمن .. متأثر بكتابات كاتب لاتيني نسيتوا .. ولمن اقول متأثر قاصد طريقة الكتابة لا روح النص ، ولا موضوعوا .. علي كل حال احلم من ذمن بنشرها ، وما عارف كيف .. فكرتة كمرحلة اولي بنشرها هنا في شكل حلقات .. لعل ووعسي تلفت الانتباة وتجد حظها في يوم للنشر بطريقة محترفة .. اسم النص ( اناشيد غاية المني) وعندما اقول (نص) و (اناشيد) اقبلوا التعابير ذي ما هي .. ما تحاولوا تعتبروها رواية ، او قصة طويلة ، او اي حاجة تانية .. اقبلوها كدة باسمها (اناشيد) ..


نص ابداعي

أناشيد غاية المنى

                                    النشيد الاول :
المقطع الاول :
كانت المرأة تبتعد عن المكان مجدفة بقوة دافعة المركب الذى يساعدها مع حركة التيار .. المجداف كان يتحرك كأرجل طائر الكركى .. واحدة صاعدة والاخرى نازلة .. أو كمشية العساكر، ومغازلة الشبابيك المفتوحة لهواء العاصفة ..
كانت تجدف بقوة لاتناسب إمرأة ثلاثينية بضة الاطراف ، ناعمة الاكف تشاغلها الحنة فى أطراف الاصابع ..تنظر للخلف كل مرة والاخرى ناظرة لطريقها فى المياة التى تلمع فيها الاف النجوم كأنها تغازل فى جيدها المورد الذى ينتفض مع دفعات المجداف ..
واصوات المدافع تنقلها المياة اللئيمة كأمرأة شمشارة فى حيها القديم حيث تنحنى البيوت الجالوص على بعضها البعض وتكاد تميل على أقدام النيل الذى يفصلة عن الحى مجرد صف من اشجار الطلح حيث تستريح هناك مراكب الصيادين ..
كانت رائحة البارود والدخان لاتزال عالقة بثوبها الزراق الخشن .. والتعب أنهكها كطفلة ملّت من اللعب .. أو كمتصارعان انسحبا لاخذ قسط من الراحة ، فأرخت المجدافين فى بطن المركب نائمة على العنقريب المستعرض فية .. تاركة كل شئ للاقدار ككل حياتها ..
المقطع الثانى :      
أصوات الاغانى والدلوكة كانت تصدح بالمكان .. وضحكات غزلية لنساء لعوب ، تقاطعها ضحكات خشنة برائحة الدكاى والمريسة .. ثم كصفعات هى ضربات اليد للأخرى لطروبان لقصة مأ تحكيها لعوب يندلق شحمها على العنقريب الواطئ غير عابئة ..
وهى فى الدارة ترقص مرتجة الاطراف ينزلق كل شئ على كل شئ ، ويصعد كل شئ مع قفزاتها اللطيفة ليعود مكانة فى سرعة وتناغم ..والليل .. الليل طير مسايرها مع كل التفاتة ضاحكة ، وقد استبد الطرب بالحضور فوقف أحدهم يعرض ويبشر بما تتيح لة قدرتة على الثبات الذى ينازعة الدكاى الغليظ .. ثم هى تجدع يدها ملونة الغرفة الواطئة بصوت الغوائش التى جمعتها بتعب السنين وباللحم المدبوغ بأكف الرجال وصفعاتهم ..
وست المنزل تحبيها بنظرات الرضا .. كثيرون يأتون طالبين (غاية المنى) بالاسم ..واقفين طابور، كأرجل أم اربعة واربعين .. أو كوقفة العساكر  .. ولوثة مجانين فى الذكر منتظمين أمام الشيخ المعمم تأخذهم النشوة ..
وغرفة (غاية المنى ) لاتفرغ الا لتمتلئ .. مليئة بكل شئ ، الرجال والدكاى والبخور والدخان ورائحة عرق الرجال بل وبولهم ..ثم ينفض كل شئ مع أطراف الفجر حيث تتكرفس مهدودة .. كعجوز تكح كل ذلك .. أو كبرش يطقطق فى تقلب محموم علية .. تعد اموالها المعدنية من كل نوع بعضها يطير بصقر مفرود الجناح .. واخر بوجة غريب الملامح .. وثالث ورابع ، ثم تتنفس مغمضة أعينها على صوت أذان قريب حيث الشارع المقابل ، وجامع أرباب العقائد ..
اللة اكبر اللة اكبر
ويهتز جسدها الضئيل المعصور كقصب السكر ..
اللة اكبر اللة اكبر
فترتعش كفرع نيم حتاة صبى بطرف اصابعة بحركة لطافة ، فتضع أصابعها على أذنيها طاردة الاذان جاعلة اياة بعيد كأنة يأتى من بئر غويرة فى نفسها اللوامة ..
ثم إنة – أى الاذان – لايذهب الا ليعود كانة يغيظها، او يطعنها بالكلام كصديقاتها الغيورات اللائى يجلسن فى طرف عنقريبها طاعنات فى أصابعها المعوّجة ، فتبرمها داسة إياها تحت الاقدام ، تاليات ذلك بضحكة .. ولكن العزاء يأتى من ست المنزل ، حيث تنهر النساء المعطنات بالدلكة ، مانحة (غاية المنى) نظرة رضا حلوة بل وفى أحايين تدلكها بنفسها مانحة إياها بعض الملاحظات المفيدة فى مثل هذة العمال ..
لا إلة إلا اللة ..
الاذان ينتهى أخيراً حتى تستطيع (غاية المنى) النوم .. وعندما تشرع فى ذلك يطرق الباب طارق فتستيقظ مزعورة ..
المقطع الثالث :
كان طائر كركى لطيف يطرق بمنقارية كأنة الجذار المسنن لسكينة فى الاخر ، غائصاً برجلية فى الماء يبحث عن السمك الذى يولى فى كل مكان ناجياً بحراشيفة .. تمطت المرأة فى مركبها مستكشفة المكان .. كالعسكرى الباحث عن مكان كمين .. أو كلص يستكشف المنزل قبل أن يقفز ، وعلى البعيد كان هناك شاطئ ومراكب ، ثم أغنام ملوثة بثغائها المكان ..
دفعت المركب بالمجدافين بحنكة حتى حاذت الشاطئ متخيرة مكان جيد ، ثم وبثلاث قفذات نشيطة كانت هناك .. ومن هناك رات أفضل .. قطاطى بعيدة لقرية صيادين ربما .. ثم كوشيقة رديئة الصنع ولكنها تكفى بالغرض دخلتها منحنية ، وكان ثمة زير وعنقريب واطئ بدون لحاف .. فقير بالمقارنة بغرفتها الجالوص السابقة المزينة بلمبة جاز فى شكل حق ..
بحثت عن شئ تأكلة وقد داهمها الجوع فجأة .. كسرة خبز بايتة ، وبيض لدجاج بجانب الكشيقة .. وكانت بجانب النار التى صنعتها تستدفئ من برد النيل ، ولعجبها كانت كأنها تسمع اصوات مدافع بعيدة .. فهزت رأسها غير مصدقة بأن يكون الصوت قاسى حتى يصلها إلى مكانها البعيد هذا ..
وبينما هى تفكر فى حالها كان ثمة صوت يقترب لشخص يدوبى غير عابئ بما يحدث فى البعيد .. البعيد من بهائمة ، وجبادتة ، وقلوبيتة ..وقريتة حيث امة المسنة تحى كل يوم فرسان الفونج .. منادية على شيوخ بعيدين فى الزمن .. طالقة صرخة ، كصرخة الفيل فى الغابات البعيدة ، منادياً على رفاقة .. أو كصوت البوق الخشن لعازفى الوازا المارين ..
كان يقترب من الكوشيقة عندما رأى إمراة تزوزى هناك ، لمحتة (غاية المنى) طبعاً ، وثم بكل حرفنة الماضى .. كانت كأمها حواء مع أدم تتصنع اللامبالاة ، مدعية انها لا تراة تاركة شعرها يتسلل مع نسيم النيل لافة جيدها فجأة ليرتج الجسد ثم منسربة داخل الكوشيقة بعد ان انحنت كالراكعة .. تاركة لدى الرجل اثر لا ينمحى ، ثم مؤخرة دخول رجلها اليسرى التى تلالى كالمرمر ..
توقف الرجل منتصباً بعد أن سقط من يدة السوط .. تاركاً الغنم تفعل ماتشاء فرحةً بالحرية يملا ثغائها المكان ، وتيسان يلعبان فى مايشبة المصارعة بالرؤس القوية المحلوقة .. كأنهم المتصارعين فى ساحة القرية أمام النظارة من فتيات المكان .. 
         المقطع الرابع :
دخل (الحسن) الى الغرفة الجالوص الواطئة بعد أن حى الرجال الكثيرين فى المكان الذين يبشرون ، ثم زغاريد النساء .. والاطفال الفرحين يكدون فى عظام المناسبة فرحين بالفوضى ..
كان (الحسن) يدخل على زوجتة (غاية المنى) بعد أن استسلم تماماً لنظراتها القاتلة .. منتظراً كالمحموم تمام الثلاث شهور، حيث العدة التى كانت تقف أمامة كجبل (على ابرسى) البعيد ، يعدها باصابعة محاولاً التركيز مع صرخات أمة المعهودة المنادية " ياراجل العيلفون . ياراجل كدباس .. ياملوك الحلفايا .. يااسياد سنار " ..
والرجل يعد بصعوبة أيامة التسعين المحبوس فيها كالقمقم والجنى المتمرد .. الحلة كلها كانت تتكلم عن (الحسن) المجنون بالمرأة الجديدة التى تسكن مع نساء منزلة .. (السرة) قالت بان هذة المرأة جنية من سنار معروفة هناك .. (السرة) جارتة طبعاً ، ترغب فى تزويج (الحسن) من بنتها (أمونة) .. المشكلة إن (امونة) كانت ترعى الاغنام فى إحدى اطراف القرية فأصابها فرع شوك من السدر فى عينها الشمال .. كبس إمام القرية قبضة من البن فى عينها فتوقف الدم ، ولكن العين إستدارت كالزمن طامسة فيها النور .. اصبحت عوراء ببساطة ، كانت صويحباتها يطاعننها بالحركات من جانبها الايسر حيث لا ترى ..
(الحسن) أصلاً لم يكن يرغب فيها (فالسرة)  لديها حكايات من المطاعنة مع أمة .. ياليتها ترى (غاية المنى) الجميلة ، كانت ستفخر بة ..
دخل (الحسن) منحنيا للغرفة الجالوص الواطئة حيث تجلس (غاية المنى) كما ينبغى لعروس مكرفسة فى مكانها فى طرف العنقريب .. كابو القدح المنتظر لفريستة الضعيفة الغافلة .. أو كالتبروقة المبرومة المستعدة للانبساط فى يد المصلى ..
المقطع الخامس :
أُّغلق الباب عليهما ..كانت (غاية المنى) فى غاية التعب حتى كرةالنفس .. كشخص يسرق من والدة ليشرب الدكاى .. أو كفتاة تتقاضى عن نظرات البائع النهم فى سبيل وزن أفضل أو سعر ارخص ..
ولكن رأس ست المنزل المطل من كوة جانبية كان كافياً لتعود الى محترفها مبتسمة للداخل الذى تبدوا رائحة الدكاى فى أنفاسة كرائحة لهاث الكلب ، بل لهاث الكلب ألطف .. وحدث ماكان يخيف (غاية المنى) دائماً .. والرجل يستعد لذلك كانت الاقامة ، وشيخ (عبدالقادر) كان صوتة يخترق الجدران وكل شئ .. ليغيظها .. يجلدها .. يشلتها .. يتف فيها باحتقار .. كانت هى تغطى أُذناها باكفها تاركة كل فعل للرجل ، والصلاة كانها لا تنتهى ، والايات كانها أعين معلقة فى سقف الغرفة .. تنظر لها مع خيوط العنكبوت ..وبيت الزنبور .. وشق الضب .. وحفرة القمرية المستوحدة التى لم ترى لها رفيق فى يوم ولا حتى بيض عندما تسلقت عنقريبها ناظرةً للحفرة فى غياب الاخيرة .. كان الجحر فارغاً كداخلها .. ولا حتى دودة ولا بقايا ريش ..
صديقتها القمرية وهى أصبحا فيما بعد يتناجيان .. قوق قوق ، تناديها وتخرج تلك رأسها مع صوت صويحباتها الغيورات فى الخارج اللائى يتصنتن ضاحكات متهمنها بالجنون ..
ويبدوا أن الرجل لم يعجبة ان يقوم بكل شئ فوقف منتصباً صافعاً إياها عدة مرات وسط صرخاتها ، واستفزة عضها لة فى فخزة فذادت صفعاتة وذادت خربشاتها على جسدة المخطط باللون الاحمر بضربات أظافرها الطويلة .. ست الدار إقتحمت المكان مع صبيانها طاردة الرجل ، الذى جرّوة للخارج رامين إياة تحت أرجل المصلين الخارجين من الشارع المقابل .. كان هو يلملم فى ملابسة حول وسطة متوعداً بصوت مخلوط بالخمر .. و(حاج عبد القادر) وبقية المصلين يتحوقلون ناظرين شذراً لبيوت الجالوص الواطئة فى الصف المقابل للجامع ..
   المقطع السادس :
(الحسن) كان مبسوطاً بزوجتة الجديدة .. غير عابئ بلمزات عماتة لأنة تزوج من ثيب وهو أول تجربة .. لو رأو مارأة ، لو عرفو ماعرفة من متعة ، لتحولت لمزاتهم لشئ أخر حاسدين إياة على سعادتة ..
مشيتة للنيل كانت قفزاً .. غنمة أكثر سعادة من غنم الاخرين .. بقرتة الوحيدة حلوبة كأم تيمان .. قناديل الذرة فى حقلة الصغير راقصة فى تناغم مع الطيور التى تهبط لتجفل عنها صاعدة .. وهو ولا يهمة شئ ولا ذئاب الجبال البعيدةعلى غنمة ولا تماسيح النيل التى تحمى أطرافة ..
فقط أجفلة منظر العساكر البيض ،  كاللبن الرائب فى ركوة مطبخهم .. أو كعمال الجير الذين رأهم مرة فى أطراف امدرمان .. كانوا يمشون مدججين بالسلاح هارسين العشب فى طريقهم يرطنون، وضحكهم مختلف فية خشونة وليس كضحك حلتهم رطب ينتهى باستغفر اللة ..
أعلامهم حاصرت حاضرة .. عندما ذهب ليبيع عجلة الصغير الذى يتقافز أمامة فى سوق المدينة القريبة ، كانوا هم هناك لئيمون ورائحة عرقهم مختلفة ، لاتشبة رائحة أى عرق يعرفة .. رائحة كخن الدجاج فى الايام الرطبة .. أو كأباط التمساح الساقط فى الشرك .. أو كرائحة الغنم الغاطسة فى المياة الراكضة بين الجبل والقرية ..
باع عجلة وقفل راجعاً بسرعة مستوحشاً المكان عاصراً على صدرة ماعونة المليئ بسكر الراس والشاى وحبوب القهوة ..متعزياً برائحتها ، ممنيا نفسةً بيوم جميل مع (غاية المنى) ..  
  المقطع السابع :
(غاية المنى) كانت تجلس فى عنقريبها ناظرة فى الابريق اللامع لوجهها المورم من ضربات اليوم السابق .. كانت تسمع أصوات الغيورات فى الخارج .. وصوت ست الدار بوضوح وهى تهتف بأن (غاية المنى) مريضة ، يبدوا أن الزبائن يترون على المكان ..
القماش المعطون فى الموية الباردة تمسد بة وجهها المورم وشفتها المشقوقة كالمرق فى سقف غرفتها ..
 خرجت غير عابئة باللمزات إياها.. الشارع الواسع أراحها كثيرا ، وعساكر يجرون خلفهم صف من الرقيق عفنى الرائحة تلوث رطانتهم لغة المكان .. أحدهم كان يقاوم فجاوبتة لمحة من سوط تاركاً مجرى أحمر اللون فى طعم الملح فى ظهرة اللامع .. صبى فلعهم بحجر فجاوبتة ضحكات مستحسنة ، وصوت العنج يجلد الهواء محزراً مع لكنة مصرية ..
دخلت السوق حيث تصطرع الاصوات فية كمنزل عملها .. أراحتها الزحمة وتصادم الاجساد ، وبعض الونسات مع الناس الكويسين ، كان ثمة امرأة محننة تهز فى طفلها الذى يبلل مخاطة ثوبها الزراق ، تتجادل مع البائع الذى يهتف بجودة بضاعتة ، لتقاطعة ضحكات ساخرة فيها مياعة ودلع .. زرعت السوق مع أم الطفل دون أن تشترى شئ غيرالكلام والونس .. ثم ذهبت مع الاخيرة الى منزلها بعد أن تمنعت فى الاول دون حماس ..
المنزل الواسع صدمها .. كان منزل لثرى فحم ، غرف الطوب الاحمر تملاء الحوش الذى ينتهى هناااك ، والشبابيك الواسعة كعيون مندهشة ، وسلم من الحجر أثار لبها ، والناس سغاار تحتها ، تراهم حيث تبدوا رؤسهم تزرع الشوارع امام المنزل الواسع الذى يفتح على تلاتة اتجاهات .. انفرجت اسارير المرأة ذات الطفل وهى ترى زوجها القادم من طرف الشارع مع ثلاثة من مساعدية ورابع تراة لاول مرة ..
من خلف شراع الشباك الذى يفصل مكان النساء عن برندة الرجال ، كانت (غاية المنى) تسترق النظر لزوج صديقتها الجديدة المهاب .. كان الرجل الرابع رقيق جديد .. كان الاخير ينازع لتقابلة البسطونات على كتفية وظهرة المعروق تأديباً ، وذاك يكورك بكلمات غريبة ، رافعاً رأسة لسقف البرندة كأنة يناجى شئ مأ ، وسائل المخاط يختلط مع دموعة ، وتختلج مع كل ذلك شلوخة ..
هذاها المنظر ، وتحسست جفونها المورمة ، حتى ان دمعة انسرقت من عينها لتنتبة لطعم الملح ،خارجة من باب جانبى ، زارعة الشارع بخطوات سريعة تجاة المنزل الذى بدأت تستمع لصوت دلوكتة التى لا تقيف ..      
المقطع الثامن :
  قطعت السرة الطريق عليها :
-         على وين .. على وين ، ومالك بتترجرجى ماشة ..  
حبتها (غاية المنى)0 بنظرة محتقرة ، فارت على إثرها السرة كقرعة اللبن فى النار .. أو كالنيل فى الدميرة .. وأمونة عندما يطاعننها صويحباتها من جهة الشمال .. وهتفت فى (غاية المنى) المنسربة لمنزل الحسن :
-         ياجنية سنار .. يامطلوقة ..
الحسن الذى صادف وصولة المنزل ، كاد يخرج عن طورة دافقاً ماعون الشاى والقهوة والسكر، وضبطة لنفسة ، وحاجات الحلة ،وكل شئ ..
لكن عاجلتة (غاية المنى) بابتسامة تذيب قلب الكافر ، مطيبة خاطرة .. ثم أخذت منة الماعون لتعود مع رائحة القهوة ، وكلامها الحلو كسكر الراس .. تاركة كتفها اليمين كاشفاً بفهم ..
ولوث جلسة (الحسن) صوت أمة المنادي على اللا شئ ، المخلوط مع مناداة عمة فى الحوش المقابل .. عمة اللائم كان يتف على رجل الحسن المهمل إياة كما قال ، جالساً على طرف عنقريبة برجلة الواحدة ، لابساً جلابيتة المرقعة رغم انتهاء كل شئ .. تصنت (الحسن) بصبر للرجل الذى نعتة بأنة مرخرخ كعساكر أعدائة البيض المعتمدين على سلاحهم .. دالفاً دون داعى لقصتة مع رجلة المقطوعة التى زحف بها ليوم كامل مدافعاً عن امدرمان ..
ويدور بعدها حوار مكرور :
-         معليش ياعمى .. أسة عاوز شنو ..
-         - ودينى الخلا ..
-         - حاضرً ..
كان العم يقفز على رجل واحدة مستنداً على الحسن ، مكرراً كل القصص السابقة كأنة نسى أنة قد حكاها للحسن قبل لحظات ، ومناداة أمة للبعيدين يطاردة ..
أصبح كل ذلك يحسس (غاية المنى) بأن هذة القرية لم تعد تناسبها .. وعليها أن تعود هناك حيث ترى مركبات وناس أكثر ، وربما حياة معقدة تعودت عليها ..
المقطع التاسع :
دلفت (غاية المنى) الى المنزل حيث وجدت ست المنزل تنتظرها بقلق ، والرجال فى الدار وقفوا كلهم مرة واحدة هاتفين بصوت واحد :
-         وووووووووووووو ..
وأحدهم يهتف " مننّنو!" ..
فردد خلفة الاخرون " منّو ، منّو ، منّو" ..
حبتهم هى بابتسامة كانت تكاوى فيها صويحباتها الغاضبات فى الاصل ..
وتواصلت الدلوكة والدلكة والدخان فى حياتها ، فكأنها فى عرس مستمر ، بعد أن أعتادت على رائحة الخمورالقوية ، وطُراش السكارى الجدد وبولهم ..
وأرقها الاذان فى الجامع المقابل حتى أنها أسرت لست المنزل بالرحول ، إلاّ أن تلك سخرت من فكرتها ساردة لها قصة حكاها لها أحد الموظفين الكبارالذى يرتاد دارها .. تمنت (غاية المنى) أن يحدث ذلك ، أن ينجح مسعى إمام الجامع والمصلين مع غردون ، أن يحول منازلهم لمكان أخر بعيداً من الجامع ..
فى السوق حيث ترتاح نفسها صادفت تلك المرأة ذات الطفل التى لامتها على خروجها الغريب ذاك اليوم .. إعتزرت (غاية المنى) بأنها تعجلت اللحاق بالمنزل قبل عودة زوجها ..
مرة أخرى كانوا فى منزلها الكبير مع سلم الحجر المبهر ، وصادفت هناك الرقيق الجديد يرص فى شوالات الفحم بدى قوياً ومستسلماً ، وتلاقت عيناها مع عيناة، فكأنة عرفها بظهره المفتوح بالخط الاحمر بطعم الملح ..
حبتة نظرة حلوة ، تعجب لها حتى أن شوال الفحم تعثر على ظهرة ثم واصل عملة ..
أمام التكل حيث تشرب الجبنة مع صديقتها التى يحبى طفلها العارى أمامها ، سمعت صوت صفارة حلوة ، توجهت لها كافة حواسها ، حتى أنها توقفت عن شرب الجبنة .. نادت صاحبة الدار (عطية) الرقيق الجديد ، فأقبل ذاك ، وأشارت لة بمواصلة العزف ..
أخذ (عطية) يعزف كأنة ناى من أوتار قلب (غاية المنى) .. أو كأنة من الغابات البعيدة حيث تأتى قصص الجن ..
وذكرها بصوت السكير الشهير (شربوت) عندما يأخذة الدكاى مع رطوبة الليل ، وفى لحظات المزاج .. حينها يتصنت الناس حتى من المنازل المجاورة لغنائة الذى يذيب قلوب الحيارى فى بيوت الجالوص الواطئة ، وتسمع شريق بعض بنات الدار ، والللللة طويلة من السكارى المنتشين .. وعندما توفى بخمرة شقت مصارينة بكتة كل الاندايات ، وفى كل انداية كان بيت عزاء ، والناس تشيل الفاتحة مع اى زول يصادفك ، وتقالد من طرف ، وتبكى بس .. والنسوان يتمختن ويوصفو فوقو، والواعيات يوصين التانينات بالصبر ..
كانت هناك دمعة تنسرق عرفتها (غاية المنى) من طعم الملح فى طرف فمها اليمين .. عندما رفعت رأسها رأت ذاك يقهّى فيها ، حتى نهرتة سيدتة فذهب خائفاً لا يلوى على شئ ..
وانسحبت (غاية المنى) عائدة للشارع الواسع متخطية صفوف الشحازين الذين يتشبسون باطرافها ..

                                          النشيد التانى :

المقطع الاول :      
كانت الفكرة قد اختمرت برأسها وتنفيذها لن يعجز (غاية المنى) التى أصبح (الحسن) لا يرفض لها طلب .. كما أنة أسرّ لها مرّة بمللة من حياة القرية ..
 كان ذلك مناسباً (لغاية المنى) ، وفى لحظة صفاء أنتقتها بعناية وهى تدلك لة رجلة بالودك صاعدة بيداها البضتين أعلى الساق ، طلبت من (الحسن) بغنج ودلال أن يبيع كل شئ لة تاركين القرية بحثاً عن فرصة جديدة فى العاصمة الجديدة ..
(الحسن) بدى مرتبكاً ولكن يداها المتحركتان بالدلكة لم تترك لة  فرصة .. .. باع غنمة ، وبقرتة الوحيدة ، ومحصول الذرة الذى بدت رؤسة تزهو فوق أزرعها الطويلة .. ودع أخواتة بعد أن أوصى أزواجهن أبناء عمومتة بهن .. ثم حمل بقجتين فيهما ماقررا أخذة من متاع .. وسط مناجاة أمة للناس القديمين ، وعمة الذى يتهمة بالكفر لأنة عائد للمكان حيث الكفار والاعداء ومدينتهم الجديدة المعفنة ..
تركوا كل شئ ميممين وجههم شطر النيل ، وصوت السرة التى تتهم جنية سنار بخطف نوارة الحلة ..
كان المركب يمخر عباب النيل عكس التيار هذة المرة .. و(غاية المنى) تتكئ على عنقريبة المستعرض تاركة التجديف (للحسن) الذى تبدوا عضلاتة نافرة بعد أن تشمر رابطاً جلبابة فى وسطة ..
كانت (غاية المنى) تنظر لكل شئ حولها محاولة تزكر هذة الاماكن ، أو ربما مرّت بها نائمة .. وتتحسس بطنها المكورة ناظرة للتمساح الذى ينزلق على الشاطئ مطيراً طيور (السرو) الفزعة ..
كل شئ يمشى على مايرام كما تظن (غاية المنى) .. (والحسن) بدأت تحبة فعلاً بعد أن كان مجرد ستر وغطاء لحياتها المضطربة الخطرة على جسدها الهش .. كالكسرة التى كانت تصنعها .. أو كطبقة التلج أعلى ماء الزير فى الليالى الشتوية .. أو كأوراق الكتاب الاصفر الذى يقلب صفحاتة عم (الحسن) بحرص وتبتل ..   
واستاذنت (غاية المنى) من الحسن فاستلقت متكورة واضعةَ رأسها على فخذه  القوى ، مأخوذة بكل شئ فكأنها تتمنى أن تكون تلك اللحظة هى كل اللحظات فى حياتها ..
 المقطع الثانى :
   عنما أستيقظت أخيراً فى الصباح متمطية كان أول مافعلتة هو النظر الى وجهها على صفحة الابريق اللامع .. كانت جفونها قد عادت متوردة ، ومصّت شفاهها التى عادت ممتلئة بعد أن أختفى الشق ..
على صفحة الابريق رأت ظل سيدتها فالتفتت فزعة .. كانت تلك تنظر ملومة (لغاية المنى) ، فعرفت أن وقت عودتها للعمل قد عاد بعد أن نفد صبر سيدتها ..
خرجت وجدت السكارى مسترخين على أكتاف بعضهم كالنائمين .. صفقت بيداها البضتان ، ثم أشارت بطرف خفى (لعبد اللة) أحد صبيان المنزل الذى امسك بالدلوكة مشتماً إياها منادياً السكارى بالصحيان .. ثم أخذت (غاية المنى) ترقص مشعلة المكان بالتصفيق والطرب تحت أعين ستها المبسوطة ..
قطع كل ذلك صراخ .. كصراخ النائم فى كابوس ، حتى أن كل شئ توقف .. كذبابة سقطت بين أرجل العنكبوت ..أو كعساكر منضبطتين فى طابور أمام القائد .. أو كالناس يوم القيامة ..
خرج المنزل يطاقش بعضهم بعض ، حتى أن (غاية المنى) كادت تسقط بين التدافع .. وألتفتت غاضبة أيضاً فقد قرصها أحدهم وسط الزحمة .. فهتفت غاضبة " يارخيص يامفلس " ..
التقى الجميع فى الساحة الواسعة بجانب جامع أرباب العقائد التى تقام فيها احتفالات المولد .. كانت الاكتاف تتراص مع بعضها كشوالات الفحم فى منزل صديقتها ذات الطفل ..تجد رواد الدار السكارى برائحة الدكاى ، وطلاب الخلوة المعطونين بالروائح الزيتية للشيخ ، ثم الرقيق والاحرار .. ونساء الليل المكشفات ، وسيدات المنازل المبلمات .. الكل كيوم القيامة ينظر لداخل الساحة ، حيث يهتف مأمور بلكنة مصرية مهدداً من يقف فى وجة الحكومة ، ويرفض إطاعة الاوامر ، ودفع الضرائب ..
فى طرف الساحة كان هناك أحدهم بلباس طويل دون عراقى مقبوض من أثنين من الجنود ، وذاك يعتزر بصوت لاعج طالباً إعطائة فرصة .. انفطر قلب (غاية المنى) لمنظر الرجل وفتاة وأمرأة تستعطفان المامور.. الذى يقف كشجرة شوكية فى عزّ الهجير ..  أو كمريد فى نصف الدارة رايح من دنيا الناس ولا يستجيب ، ثم وبحركة سريعة كان يخرج كديسة متوحشة من كيس أتى بة أحد عساكرة ، ليرمية فى لباس ذاك المربوط فى طرف الساحة ..
صرخاتة اللاعجة ، والووووواىىىىى .. جعلت النساء يولين راكضات ، والرجال السكارى قد طارت سكرتهم ..ويتحوقل طلبة الجامع فى حزن ..
ركضت (غاية المنى) لا تلوى على شئ تقفز من فوق الشحادين النائمين فى ضل الحيط والشجر حتى وجدت نفسها فى منزل صديقتها ذات الطفل .. دخلت فقد أصبحت تعرف المنزل .. جلست تنتحب فى الراكوبة بجانب تكل صديقتها .. بكت كطفل صغير .. أو كمطرفى خريف مبشر .. وكزير يدخل تجربة الموية لأول مرة ..بكت كأنها ترى ذلك لأول مرة ..
كان هناك ظل ورائحة عرق .. رفعت رأسها منهجمة لتجد رقيق صديقتها يمد لها فى إشفاق خرقة ، ومسحت عيناها ممتنة ..    
علمت بصعوبة من (عطية) بأن سيدتة هناك فى الزحمة التى تركتها .. حاولت تجاذب الحديث معه بصعوبة .. وجرح ظهرة أصبح كالسبة أبى أن ينغلق .. وأصبح (عطية) أكثر إنكساراً من أخر مرة رأتة من خلف مشرع الشباك .. فهمت بصعوبة بأنة كان أبن زعيم فى منطقتة .. علمت لماذا كان بعض الرقيق فى الشارع يتعاملون مع (عطية) بهيبة عندما يكون ماشياً خلف سيدة فى بعض مشاويرة ..
قطع الحديث صوت سيدتة الداخلة للمنزل تنادى فى (عطية) ، فهرول ذاك مستجيباً لمناداتها .. وأنسربت (غاية المنى) من باب أخر للشارع ، وتفاجأت بأنها نسيت الخرقة فى يدها وارتاحت كعادتها وهى تمشى فى الشارع الواسع ، تتجنب الناس العائدين من اللمة مصطدمين بها ..      
المقطع التالت :
إنتبهت (غاية المنى) من تخيلاتها مع رجة المركب كأنة مرّ بجزيرة ترابية .. أو سمكة كبيرة ، كانت الخرطوم قد ظهرت حتى أن (الحسن) الذى يجدف بقوة قد انفرجت أساريرة ..
كانت هناك مركبة ضخمة ، أضخم من مركبة (الحسن) بألف مرة يلمع لونها الابيض مع الشمس .. وزحمة لم يشاهدها (الحسن) ولا فى يوم السوق فى المدينة القريبة من القرية .. (غاية المنى) نظرت للجهة المقابلة ، وأحست بشجن كبير .. كانت بيوت الجالوص ذاتها هى كأنها تركتها البارحة .. ولكن لاتزال أثار الخراب بائنة هنا وهناك ..
رسى (الحسن) بمركبة وجرة الى الشاطئ ثم أنزل (غاية المنى) التى تغالب دموعها ، مشو فى شوارع متربة حتى وقفت (غاية المنى) أمام أطلال .. كان الجالوص المتهدم يشبة ذكرياتها المهدمة هنا .. (الحسن) كان يعرف طرف من خيط حياتها هنا ، فوقف صامتاً .. كطائر (اب كلنجة) المنتظر لفريستة .. أو كضب صبور ينتظر فى الحائط بجانب الضوء ..
بكت (غاية المنى) حتى إن هناك سيدات خرجن من المنازل المقابلة على صوت نشيجها .. إحداهن هتفت بأسمها وكان ذلك كافياً ليندفعن نحوها مهنئات بالعودة .. إقتحمن (غاية المنى) حتى أن (الحسن) تراجع مستحياً من رائحة الدخان والخمرة التى ضوعت فى المكان .. ثم اقترب أخرون عرفوا (غاية المنى) وسلموا على (الحسن) المنبهر بكل شئ ، من شجن زوجتة (غاية المنى) ، ولمة الناس ، وكثافة البيوت ، وكل شئ ..
(وغاية المنى) الجالسة على عنقريب فى منزل الجيران تحكى لهم ويحكوا لها ، مقاطعين بعضهم ، رافعين حواجب الدهشة .. ثم مطلقين ضحكات العجب .. عائدين لعصر عيونهم السائلة بالحزن على ماقد كان ..     
المقطع الرابع :
(غاية المنى) كانت تنظر لكل شئ حولها فى منزل ستها ، وهى تغالب الاستفراغ من كل شئ وأحدهم يتلمس فخذها فتسحب رجلها دون إنفعال .. مجاملة أحدهم ببقة من الدكاى الذى ينزل فى جوفها كنار السموم .. محاولةً تحمل رائحة العرق الملوث برائحة المريسة ..
وأحسّت كما عندما يغمرك الاحساس بأن أحدهم يراقبك ، ولكن ذلك طبيعى فى حياة (غاية المنى) .. الشعور تملكها حتى أنها توترت متلفتة ، وكان هناك (عطية) فى الباب ينظر بدهشة للحم (غاية المنى) .. والتقت العيون كالمرة الاولى .. تلملمت (غاية المنى) حتى أن ذاك أثار ست الدار فحبتها بنظرة غضوبة ، فانسحبت لغرفتها ..
مرّت أيام عافت فيها (غاية المنى) العمل ، حتى أن سيدتها قرّصتها معاقبة إياها بتقليل الطعام ..
إستطاعت فى أحدى الايام وكانت ليلة ماطرة أن تنسرب من المنزل ميمة وجهها صوب منزل صديقتها ذات الطفل .. كان العساكر متوترين فى الشوارع .. وكثر الهمس بأن المهدى وأعوانة قادمين للخرطوم ، وماهماها من كل ذلك ، هى لاتحتاج لمحرر للخرطوم بل تحتاج لمن يحرر روحها من سجن جسدها الاملس ..    
تجازبت مع صديقتها ذات الطفل الحديث ، وكان (عطية) يأتى ببعض الاغراض لسيدتة ، كانت حينها (غاية المنى) تهرب بنظراتها الى الجدران المطلية ولمبات الزيت العديدة ..
وحانت فرصة عندما ذهبت صديقتها لزوجها مستئزنة .. أمسكت بساعد (عطية) الذى يضع حزمة من الحطب على النار الموقده أمامها على المنقد .. حاولت أن تخبرة عن أسباب عملها ولكن كان ذلك ركيكاً ، كانت لغتها باكية غير مفهومة .. وكان هو يلتقط الحروف بصعوبة .. وكان المطر بعد ذلك يعاند بصوتة ورجلة ، هذّ (عطية) رأسة بألامشكلة ثم حباها بإبتسامة ليثبت لها بأنة غير لائم .. بل جرء ومسح دموعها باصابعة الخشنة ، ومن وسط دموعها أخرجت خرقتة تلك .. فى غرفتها إكتشفت أن الخرقة مزينة بالوان الجير ، على شكل طائر وجبل وسحابات لطيفة تغازل أشجار بنية .. كل ذلك ملون فى الخرقة .. إبتسم ضاحكاً (عطية) ، ثم إنسحب عند سماع خطو سيدتة ..
المقطع الحامس :
(غاية المنى) و(الحسن) كانا قد إستقرا فى المنزل الجديد ، وساعدهما الجيران ، فأنشأوا اوضة جالوص واحدة وراكوبة ، ثم حائط قصير من الجالوص بناةالحسن لوحدة لاحقاً ..
أصبح (الحسن) طباخاً فى منزل أحد الموظفين الانجليز الكبار .. يعمل تحت أوامر الخواجية البيضاء لاكلات سمع بها فى ذلك المطبخ ، ولكنة أجادها بسرعة .. كان الحسن كثيراً مايفكر عن رأى عمة ذو الرجل الواحدة لو راءة ينحنى على الحلل ، مطيعاً أوامر الخواجية البيضاء .. كان سيهتف فية :
-         مرخرخ ، عبد الكفار ، عار على اسرتك ..
كثيراً مايبتسم متذوقاً طعم الطبخات التى لم يسمع بها جيرانة .. عندما يعود للمنزل ، كان جيرانة يجتمعون فى حوش الرجال ، متذوقين الطعام الذى يأتى بة من منزل الخواجة ، حالفاً بأغلظ الايمان بأنة من قلب الحلة وليس البواقى .. و(غاية المنى) تضحك ، حاضنة (عطية) الصغير الذى يلون ضحكة حياتها ، ظنت (غاية المنى) بأنها نست كل شئ وأن حياتها عادت بالفرح بعد الشقاوة .. ولكن كان لللأقدار رأى أخر ، (غاية المنى) وهى تتمشى فى السوق حاضنة (عطية) الذى يبكى مالئاً مخاطة كتفها ، وجدت نفسها امام إحدى صويحباتها من المنزل القديم .. وتدفقت الزكريات فجأة ، منزل الجالوص .. اوضتها .. صديقتها القمرية .. الجامع فى الشارع المقابل .. عذاب الاذان .. القط المتوحش .. صديقتها ذات الطفل .. وعطية ..
غذّت تلك كوعها مندهشة ، ونادتها " غاية المنى المفترية" !! ..   
شئ بها أوصل (لغاية المنى) فكرة ، بأن زميلتها القديمة لم تبتعد كثيراً عن عملها القديم ، اللبس .. الحركات .. اللغة .. الضحكة اللعوب .. وحركة العيون التى كانت تجيدها (غاية المنى) .
(غاية المنى) فوجئت ، كذبابة تضع رجلها فى الخيوط اللذجة .. أو كجندب إرتطم بة اللسان اللذج لضفدعة .. وكوجة الخواجةعندما فؤجئ بالطعم الحامض لطبيخ (الحسن) ..
 أرتبكت (غاية المنى) ثم تماسكت مستفيدة من كل خبرتها السابقة فى هذة الحالات ، وتظارفت حاضنة تلك .. الاخرى كان ردها بارداً كأنف الكلب ، إذاً لم تنس ذلك ، لقد إتهمتها إبان المهدية بأنها وشت بها لدى الحكومة ، حيث أصبحت تدير منزلاً بعيداً فى الاطراف .. (غاية المنى) لم يكن لها علاقة بذلك ، ولكن نفوز (عطية) فى الحكومة كان كافياً لهذا الاتهام ..
وأردفت تلك " ساكنة وين ؟ " ..
تجاهلت (غاية المنى) السؤال .. ثم ودعتها ذاهبة ، وفى الطريق كانت (زهرة) زميلتها السابقة هناك ، تتابعها لمعرفة منزلها .. عرفتها (غاية المنى) فلديها حدس بمعرفتها بأنها تحت نظر أحدهم .. تزاوغت منها فى الاذقة الضيقة ، ثم انسربت وسط الزحمة الى منزلها غالقةً باب الخشب خلفها ، ليختفى الاحساس إياة ، وارتمت فى عنقريبها تاركةً (عطية) الصغير ينتحب وسط بولة ..
     المقطع السادس :
(عطية) كان يتحين الفرص للقدوم الى منزلها .. فى الاول من أجل المتعة ، ينبسط تاركاً لنفسة العنان ، مغنياً بطمبورة أغانى تحيك الجمال فى ثوب المنزل الموبوء .. ثم راطناً مرات ، وأحايين أخرى سارداً أمجاد جماعتة ، ثم ينهار باكياً منادياً أحبابة ووالدتة ..
ولم يكن ذلك يغير فى حركة المنزل الجالوص الا بما يغير أصوات الاشتباكات فى الخارج ، والاشاعات فى الداخل عن اقتراب المهدى من الخرطوم .. واصبح (عطية) لاحقاً يقتطع من وقتة المسروق من سيدة ليخلو (بغاية المنى) فى غرفتها .. وكان هو لطيفاً كفاية حتى أنة يدفع لها لتعطى سيدتها دون أن يقوم الا بالجلوس بجانبها فى العنقريب المعطون بالدلكة وبول الناس متجاذباً معها أطراف الحديث .. وفى أحايين نادرة يمسك بيدها مقبلاً إياها .. وثم يصطنعا الاصوات المستمتعة ، عندما تسمع صوت سيدتها يقترب ، أو تطل برأسها من الكوة ..
أتاها (عطية) فى إحدى الليالى ، والمنزل كعادتة ملئ بالناس من كل نوع .. أشارت سيدتها (لعطية) بأنها مشغولة .. آلمة ذلك ، يؤلمة ذلك كل مرة ، كانة يعرف لأول مرة ، فانتظر خارجاً .. ولم تكن سيدة الدار معجبة بهذة العلاقة ، فتجربتها علمتها أن الحب فى مهنتها خطر على مصالحها وضبط بناتها ..
إنتظر (عطية) كثيراً وأغاظة ذلك حد الغيظ ، وفجأة إنطلق صراخ (غاية المنى) من داخل غرفتها ، فهب (عطية) للباب وسبقتة ست الدار وصبيانها .. كانت (غاية المنى) فى الارض عارية تماماً ، كسمكة حوت .. أو عتوت مسلوخ جاهذ للشواء .. أو كلمبة جاذ مغسلة متروكة لتجف . وأحدهم فوقها يجلدها بحزام وينعتها بأقذع الالفاظ بلكنة مصرية ..
توقفت سيدة الدار تستجدى فية دون أن تحاول منعة ، فلوح لها بحزامة مهدداً ، وقد سكت كل الصراخ والانفلات من السكارى فى خارج الاوضة .. حاول (عطية) التدخل فمنعتة ست الدار الغاضبة مهددةً إياة بأنة مأمور كبير يمكنة أن يهد منزلها على رأسها .. كانت (غاية المنى) لا تزال تصرخ تحتة مستنجدة ، ثم رأت وجة (عطية) وسط الزحمة ، فهتفت بة .. بدفعة واحدة كان الجمع حول (عطية) قد إنزاح ، وسيدة الدار ساقطة تصرخ ، وصبيانها لا يجرؤن على التدخل من مرأى (عطية) الذى يتطاير الشرر من عيونة .. أمسك (عطية) الرجل الابيض العارى كعصفور صادماً بة الحائط ، ثم رفع (غاية المنى) لافاً إياها بفردة كانت مفروشة على العنقريب ، وانتصب ذاك غاضباً مهدداً (عطية) ناعتاً إياة بالرقيق ..
(عطية) لم يتردد أمسك بذاك من يدة لاوياً إياها حتى سمع كل أهل الدار صوت العظام المتكسرة .. كصوت الحطب يطقطق فى النار ، أو العنقريب وهو يئن تحت الثقل ، أو كل ذلك .. صرخ الرجل الابيض العارى مستنجداً بالنظارة المستمتعين ، وثم بحركة سريعة كان (عطية) يخرج سكينة الضراع ، قاطعاً زكر الرجل من جزورة ، فسقط الرجل الابيض العارى فى دمة ، وخرج (عطية) ماسكاً الذكر حتى تلك اللحظة ، وسط تصفيق العاهرات والسكارى .. كانت عيون الاعجاب تطاردة خارجاً من الدار ، رامياً الذكر لكلاب صادف أنها تمر بالشارع فتناوشتة فى متعة .. كان أذان العشاء حينها ، (غاية المنى) كانت لا تزال فى كومة الفردة الملفوفة حولها .. وهتفت فى (عطية) :
-         حاتعمل شنو ؟
-         حاإنضم للمهدى فى الابيض ..
رد بلكنة بدأت تتعود على العربية ، وأردف :
-         عشان أقطع ليهم زكورهم كلهم لمن ندخل الخرطوم ، واطلعك من هنا ، دة حلنا الوحيد ..
إعتصر يدها بين يديه الضخمتين ، وإنسرب فى الظلام .. لاحظت (غاية المنى) بعد أن ذهب (عطية)  بأن يدها ملوثة بالدم ، دم الذكر المقطوع للرجل الابيض اللون ، الذى تسمع صراخة من محلها الذى تقف فية ..             
المقطع السابع :
كان عطية لايزال يصرخ و(غاية المنى) غير عابئة بة ، حتى أن (الحسن) الداخل للمنزل نهرها لتنتبة من كل ذلك حاملة الطفل مغمسة إياة فى الطشت الكبير لترتاح رئة الطفل الصغير المستمتع بالماء البارد ..
لاتعرف كيف .. ولكن (لزهرة) حقد  كالدبيب الاسود ، أو كشيطان الحمامات البلدية ، وكالمرأة المهانة من قبل رجل وسط  الناس ، أو كل ذلك فى (زهرة) ..
عرفت (زهرة) منزل (غاية المنى) فطرقت منزلها فى اليوم التانى نهاراً .. كانت (غاية المنى) تنظف فى المنزل عندما فتحت باب السنط حاملةً مقشاشتها .. وقابلتها نظرة (زهرة) المنتصرة ، وعلمت لماذا كانت تحس بأنها مراقبة .. ولكنها ضبطت نفسها بسرعة داعية (زهرة) للدخول ، دون أن يغيب عن الاخيرة صوت (غاية المنى) المضطرب .. ولم تسألها (غاية المنى) ولم تتكلم (زهرة) عن كيفية  معرفتها للمنزل ..
ثم أشارت (لعطية) " دة ولد منو ؟ " ..
ضمتة (غاية المنى) لصدرها " ولدى ! " ..
وتجازبا أطراف حديث كلة طعين وتلميحات وتقليب للأخر ، بحثاً عن القصص التى يمكن الاستفادة منها لاحقاً ..
وألمحت (زهرة) (لغاية المنى) بأنها لا تزال تعمل فى المهنة ، بل لديها منزل كبير فى أطراف المدينة ..
(غاية المنى) أحست بأنها لن تحتمل المذيد ، فوقفت طاردة (زهرة) من المنزل .. لملمت تلك ثوبها الذى يخفى القليل مطلقة ضحكة موحية ، بأنها لم تنتهى منها بعد ..
(غاية المنى) أصبحت كهموم الانسان ، واثار ذلك (الحسن) دون ان يثبر غورها ، فقد تعود على أن (غاية المنى) صندوق تخرج منة القليل عندما ترغب هى ..
وتحت ضغط (غاية المنى) سمح (الحسن) (لعطية) الصغير بدخول المدرسة الجديدة ، بعد أن توسط لهم مخدمة الخواجة بإيعاذ من زوجتة ..
كان يوم ليس كالأيام (لغاية المنى) زغردت فية كألف أم عروس مرة واحدة ..(عطية) الصغير كان يمشى فخوراً بالجلابية والعمة والخرتاية القماش ، منتعلاً المركوب الصغير تجاة المدرسة ، بعد أن نفحة أبوة بمليم لشراء الدوم والقنقليز ، وملأت أمة خرتايتة بكورة مليئة بالجداد الملفوف فى طبقات الفطير .. كان (عطية) الصغير يمشى وسط زغاريد الجارات ، وتصفيق الجيران ، وبعض الاستهزاء والسخرية ، فجارهم (محمد على) رأى فى تعليم الخواجات كفر صُراح ..
وحاول (الحسن) أن يتخيل رأى عمة فى القرية فطرد الفكرة عن رأسة مبتسماً ..
وسط كل هذا كانت (زهرة) تقفذ لخيال (غاية المنى) ملوثة صفائها الداخلى .. كذبابة فى كوب اللبن .. ولم تخيب (زهرة) ظنها ، فعندما كانت (غاية المنى) تتمشى فى السوق ، صادفت (زهرة) قاطعة عليها الطريق ، ولكن ليس لوحدها ، كان معها (شيطان السكرانين) كما كانوا يلقبونة حينها ، حتى أن إسمة الحقيقى راح وسط لقبة المتين .. كان يشرب كأنك تدفق الدكاى فى بير ، ثم يدخل فى تحدى كانت تصنعة سيدة الدار لتحريك منزلها فى بعض الايام ، فيدخل على فتيات الدار واحدة تلو الاخرى دون توقف ، وسط تصفيق السكارى وتحمسهم .. و(غاية المنى) كانت المفضلة لدية ، ولكنها كانت تكرهة بطريقة خصوصية ، ككرهك لبقعة فى وسط قميصك الابيض .. أوكرهك لكلب أسود وسط الكلاب ، والاخيرة أفضل ، فمنزلها ذاك لا يمكن أن يكون قميص أبيض بأى حال ، و(زهرة) كانت متيمة بة دون أن يحبيها (شيطان السكرانين) بغير الواجب .. تلك كانت مفصلة مهمة فى باب كرة (زهرة)(لغاية المنى) ..
أخيراً وجدت (زهرة) الفرصة كما يبدوا للإستفراد (بشيطان السكرانين) .. مدّ الاخير يدة مسلماً ، فسلمت علية (غاية المنى) من وراء التوب ، فضحك ذاك ضحكة قصيرة ساخرة ذات مغذى ، فانسربت (غاية المنى) من المكان .. كانت تعلم بأن (زهرة) لن تنهى الامر على خير ..
المقطع الثامن :
 (غاية المنى) تعرضت لصفعات لم يعدها أحد لكثرتها .. جلدت بالسوط حتى سال عرقها مع بولها مع دمها فى جوقة واحدة .. كان المحققين حولها يسألونها فى جوقة أيضاً من اللغات ، مصرية ، تركية ، وأجنبية ..الرجل الابيض العارى يرقد الان فى المستشفى بين الحياة والموت .. بصعوبة كانت (غاية المنى) تخرج من تلك التجربة فقد توصتت لها سيدة الدار عند موظف كبير من ذبائنها ، ولم يكن ذلك حباً فى (غاية المنى) بالطبع ، ولكن حباً فى دجاجتها المهمة ، التى خفّ الزبائن عند علمهم بما حدث ..
لاكثر من شهر كانت ترقد على عنقريبها كالميتة ، سيدة الدار أخذت منها غويشتين ثمن إطعامها فهى لم تعد تعمل .. ووسط إغمائها كانت ترى (زهرة) وصويحباتها يشمتن فى لحمها المهروس ويذهبن ..
كان (عطية) قد هرب من الخرطوم مع مجموعة من حيران الجامع الكبير المقابل للاندايات ،  يبدوا أن منظر القط المتوحش ذاك اليوم قد صدمهم ..
(عطية) لفت الانتباة ببنيتة القوية .. قال (لغاية المنى) لاحقاً أن حماس برندة الرجال حين رأتة من خلف شيش النسوان ، قد عاد دفعة واحدة أمام المهدى المنتظر ، وأنة رمى حربة كتجربة أمام الامام ، فذهبت حتى إختفت فى الافق ، فألبسة المهدى بنفسة الجلابية الانصارية ..
 أما أكثر ماأثار شجن عطية حتى أكثر من فتح الخرطوم ، هو عندما وجد مجموعة من أبناء قبيلتة يرطنون ، عرف رطانتهم ، رمى بحربتة ، وبرك تحت أرجل كبيرهم ، يعرفة بنفسة .. قال (عطية) أنة بكى كما لم يبكى رجل فى أى وقت ، بكى دون أن يهتم برأى من حولة من الرجال .. وعلم (عطية) أن قريتة قد تشتت من هجمات تجار الرقيق ، وأنة لن يرى أمة ولا أهلة فى أى وقت ..     
كان يزحف مع الباقين تجاة الخرطوم ، وكل واحد يبكى على جرحوا .. كان (عطية) يفكر فى إن أول ماسيفعلة هو تحطيم كل البيوت أمام الجامع الكبير ، وإطلاق سراح الباقين من زملائة ..
فى الليالى المقمرة كان يناجى (غاية المنى) فكأن القمر صفحة المرايا تبدوا لة تضاريسة المظللة  كوجة (غاية المنى) بوجهها الضحوك ، وسنونها المفلجة .. ولونها الاسمر الحلو كالرغيف ..
و(غاية المنى) تلتقط الاخبار من مرقدها ، وترى توترات العساكر عبر شباكها على الشارع ، وتعرف بأن شيئاً مريباً يحدث فقد خفّ الزبائن حتى السكارى منهم .. وست الدار القلقة أصبحت لا تنام تتلقى الاخبار من زبونها الكبير عندما يأتى المنزل ..
وعندما تم الحصار توقف العمل تماماً ، حتى أن هناك فتيات هربن فى وسط الليل من المجهول لمجهول أخر أفضل ..
صوت الرصاص كان فى عين (غاية المنى) كصوت زغاريدها فى الايام الخوالى ..المدافع كانت تدك التحصينات وتدك الخوف فى داخلها من المستقبل (فعطية) قادم ليحررها ..
وعندما إنتشرت الاشاعات بوصول المهدى نفسة للحصار ، إختفت الحركة حتى من الشوارع .. وعندما جاعت (غاية المنى) حتى أن الناس أخذوا يموتون ويتقاتلون على حبة الذرة ، زبحت (غاية المنى) قمريتها الاثيرة ودموعها تبلل الريش المنتوف ..
وفى إحدى الليالى كان الموظف الكبير إياة يزور سيدتها ، وقد أصبح يدفع الان قبضة من الذرة فلم يعد للقروش معنى ، أسرّ لسيدتها بأنهم يخشون موضع معين من الحصار هو الاضعف ..
إنتشت (غاية المنى) من هذا الحديث ، وفى الساعات الاولى من الصباح أيقظت (عبد اللة) أحد صبيان المنزل ،وكانت تودة وتثق بة ، أخبرتة بالحاصل ، طالبة منة أن يذهب ليخبر (عطية) بذلك ..
ولم يكن أمر قطعة الحصار صعب فميوعة كلامة ، ويدة المخضبة ، وعيونة المكحلة كانت كافية لإستهوانة .. علمت (غاية المنى) بأنة قد وصل ، فمن مكانها كانت تسمع المعارك هناك ، الدانات كانت تساقط بقرب منزلها .. كان الهاربون يتصادمون فى الظلام ، والفوضى تضحك فى الشوارع ، وقد إختفى العساكر كلية .. هى وحدها كانت  فى عنقريبها تغالب الجوع تنتظر (عطية) بفرح ..   
اللة اكبر .. اللة اكبر ، كانت تقترب من موضعها .. ست الدار طلبت منها الهرب ، قالت ذلك وهى تلملم التوب حول رأسها هاربة فى الظلام ..
صوت الرصاص والتكبير كان يلون المكان ، فتحت سحارتها أخرجت أفضل مالديها من ملابس ، وتلفحت بتوب من ثياب سيدتها التى هربت ، ثم تريحت بأحد العطور الذيتية من سيدتها أيضاً ، ومن ثم تأكدت من مسايرها النظيفة جالسة كالعروس منتظرة عطية ..
حتى الصباح كانت جالسة فى مكانها ، تسمع أصوات الارجل ، والتكبيرات ، ثم أصوات رصاص متفرقة ، بل وأصوات إشتباك بالسيوف من مكان قريب ، واصوات بلكنات متفرقة تركية ، ومصرية ، وأجنبية ، تختفى هنا وهناك ..
كانت تنتظر ، وسمعت صوت باب ينفتح ..
                                  " عطية .. عطية " !
هتفت بصوت لاعج ، على صوتها برذ رأس من الكوة إياها ، كانت عيون لا تشبة عيون (عطية) ، صرخت خائفة .. هتف الجندى ناعلاً إياها محاولاً ضربها ، لكن يد كانت تمسك بة .. كان (عطية) فى ذية الجديد وقد إذداد هيبة ..
(الجرح الاحمر بطعم الملح كان فى مكانة ، ولكن من دون نظرات الانكسار تلك) ..
كانت (غاية المنى) تنظر من بعيد للغبار اللاعج من أثر تحطيم المنازل الجالوص .. واشتعل الحريق فى كل شئ ، حريق فى الحوائط القصيرة .. وفى ملابس الحرام .. وادوات السكر .. ونفوس الكثيرين ..
أخذها (عطية) وكان ذلك أول زواج بعد الفتح .. حضرة المهدى شخصياً ، وكان الشهود شخصيات تسمع بها (غاية المنى) كالاحلام ..
فى منزلهم الجديد ، كان للجالوص طعم مختلف ، ولم تعد تنظر لخيوط العنكبوت ، ولا شق الضب ، وبيت الزنبور ، فقط تبحث عن صديقتها القمرية دون جدوى ..
                           النشيد التالت
المقطع الاول :
(غاية المنى) فكرت فى إخبار (الحسن)، ولكن ذلك سيفتح جروح لن يقف نزيفها عند حد .. (الحسن) نفسة يحس ببحر الاسرار فى صدر (غاية المنى) فيتجنب الخوض فية .. يخاف المعرفة .. يخاف أن يصدق نبذ السرة (لغاية المنى) فى قريتة البعيدة ..
خرجت (غاية المنى) من منزلها وكانت تتجنب ذلك ، صادفت جارتها (النعيم) فتجاهلتها الاخيرة  ، وجارة أخرى فى طرف الشارع ، وثالثة ورابعة ، كأن الشارع ببيوتة تواكد عليها .. عم (حسن) الصرماتى لم يبادلها التحية مبتسماً كعادتة .. توجست (غاية المنى) خيفة ، علمت دون أن تسأل أن (زهرة) مرّت من هنا ، تشم رائحتها الكريهة فى المكان .. فى منزلهم القديم كانت (غاية المنى) تنعت (زهرة) بأنها زهرة بدون ريحة ، بل بالاحرى ريحة عفنة .. كانت تبصق الكلمات فى وجة (زهرة) وسط إستمتاع الرفيقات الاخريات ..     
سألت (غاية المنى) أقرب جارتها فعلمت صدق حدسها .. حاولت الدفاع عن نفسها دون جدوى .. الاشاعات هنا لها طعم حلو المزاق يعلق باللسان دون فكاك ويدوى صداها فى الاذان الفارغة لزمن طويل  .. طويل جداً ..
(غاية المنى) إنكفئت على منزلها و(عطية) الصغير الذى يتفوق متخطياً رفاقة نائلاً تقريظ إساتذتة ..
وعلمت (غاية المنى) بأن الحلقة تضيق ولا شك أن (الحسن) سيعرف فقررت إخبارة .. ولكن (زهرة) كانت تدير معركتها بدهاء مسموم ، جعلت (شيطان السكرانين) يستفذ (الحسن) فى السوق ، طاعناً فى (غاية المنى) ، (الحسن) ثار ، وكاد يطعن الرجل لولا أن أمسك بة العشرات من المارة وتجار السوق ، وخرج (شيطان السكرانين) لا يلوى على شئ ، والمؤكد أنة لن يكررها .. ولكنة لن يحتاج لذلك .. كان (الحسن) يصفع الباب فتوجست (غاية المنى) خيفة ، خرجت صفعها (الحسن) مرة واحدة دون كلام ، فتدفقت بالكلام المدمع ، فكأن الصفعة فتحت الابواب المغلقة.. أو كأنها كلمة السر التى فتحت كهف الاسرار .. أو كأنها الجدول المحتقن فتحتة فتدفق الماء مرة واحدة .. حكت لة كل شئ ، عن المنزل المقابل للجامع الكبير .. عن القط المتوحش .. صديقتها ذات الطفل .. الرجل الابيض اللون .. و(عطية) .. وكل شئ ، إلتفت (الحسن) ل(عطية) ولدة ، وانهار على العنقريب الذى أنّ تحت ثقلة ..
وانهارت (غاية المنى) تحت أرجلة .. خطاء (الحسن)و(غاية المنى) أن ذلك كان فى الحوش ، وقد تصنت الجميع لكلام (غاية المنى) المدمع .. والان عرف الجميع ماضى (غاية المنى)  ، ولا فكاك عن إتخاذ القرار ..
أخذ (الحسن) بقجة أخذ فيها ملابسة ثم يمم وجهة شطر الباب الخشب غير ملتفت  ، ولا متردد ، ولا مهتم بمناداة (غاية المنى) ، أو بكاء (عطية) الصغير .. 
فى الليل والناس نيام ، وقد علمت (غاية المنى) بأن الناس نيام على كلامها و(الحسن) ، وأن الصدور تجهز الكثير فى الصباح .. أخذت (غاية المنى) ملابسها فى بقجة ، ووضعت (عطية) النائم على كتفها ، وخرجت تتبع الظلام ، وتتجنب النجوم التى تغمز لها غائظة إياها .. وفتيات ضائعات ذكرنها بأيامها الذمان .. عاد منزلها الجالوص خرابة .. وعادت حياة الوحدة .. ولكن (عطية) جديد يمكن أن يلون حياتها مرة أخرى ..
بجانب منزل الخواجة الذى يعمل بة زوجها قضت ليلتها تحت شجرة اللبخ الكبيرة تحتمى فى حضن (عطية) الصغير ..
المقطع التانى :
(عطية) أصبح قائداً مهماً ، وبالذات بعد موت المهدى .. لم ترى (غاية المنى) هذة النظرة فى عين (عطية) إلا ذاك اليوم .. والسوط .. والجرح الاحمر بطعم الملح ..
امدرمان خرجت كلها ،(غاية المنى) تترجرج فى حملها ، تكاد تقع لولا حماية (عطية) لها ، ولجنينها .. (غاية المنى) لم تعود للمنزل باتت فى الشارع مع الاخرين .. كان الليل .. والناس .. والعيون ..  ورقع الجلاليب الانصارية .. كلها سواء ..   
عندما انتهى كل ذلك ، كان (عطية) يتخطى الصفوف ليصبح على بعد خطوتين من الخليفة .. فى إحدى الايام كانت العرضة ، رأت (عطية) على رأس ثلة من الجنود .. الفخر أطلق لسانها هاتفة بأسمة وسط الناس .. (عطية) لاحقاً قال لها بأن مزاج بيت الجالوص قدام الجامع ماانتهى .. كان يغيب ليعود أكثر قوة ، كأن رقع الجلابية تصبح أكثر ..
ابنها الوحيد (الحسن) كان ينموا صبياً يأخذ من لون امة القمحى ، ونخرة ابوة الفطساء ، ثم خلطة من نظرة (عطية) الصارمة ، وعيونها الرهيبة .. كل ذلك فى آن ، فأثار غيرة الجارات ، ولوعة الفتيات ..
فى مرة سجن (عطية) لعدد من الشهور ، وقام ثلة من الجنود بقلب البيت رأساً على عقب بحثاً عن شئ لم تستوعبة (غاية المنى) ..  ثقتها خفت من بعد ذلك حتى بعد أن عاد لموقعة ..
وفى يوم وهى تربط العمة (للحسن) دخل (عطية) قلقاً .. وأخيراً أسر لها بأن هناك حملة كبيرة زاحفة على امدرمان .. علمت (غاية المنى) أن الايام السمحة قد انتهت ، وايام الحصار والخوف أقبلت بعيالها .. أخذت تندب حظها و(عطية) يجهز نفسة ، لبس جلابية الحديد التى لا يلبسها الا فى الايام الصعبة ، وخرج تلاحقة دعواتها ، ونظرات (الحسن) المتوترة ..
الايام مرت رتيبة على (غاية المنى) تتلقط الاخبار ، وترسل (الحسن) لصديق (عطية) فى بيت الخليفة تسألة .. وتذهب بنفسها لصديقاتها زوجات القادة ، الكل قلق ، فكأنهم علامات الاستفهام تمشى على الارض .. أو كأنهم صرصار خلعت قرنى استشعارة .. أو كأنهم ابو القدح خلعت عنة طبقة ..   
عاد (عطية) ولكن لم تعد معة الفرحة (لغاية المنى) كعادتها ، عاد محمولاً على اعناق الرجال ، ولولت (غاية المنى) ، ولكن ذلك لم يجذب الاقدام كالعادة ، فقد كان فى كل منزل ، ولولة من نوع خاص .. امدرمان الواسعة أصبحت (لغاية المنى) كالخاتم .. ضاقت حياتها حتى أنها تزكرت المفتش الابيض اللون ، وتلك الايام ..
ولم يغب حدثها .. (لغاية المنى) حدث مذهل ، تعلم الاخطار قبل موعدها .. ربما للالام الكثيرة التى مرّت بها ، ربما لحياتها المعطونة بالخطر ، ربما لكل ذلك ..
اصوات المدافع بعد 16عام هى ذاتها ، ولكن أعلى صوتاً ، وأقوى تدميراً ،  كانت من مكانها ترى المناذل تدك كسكر الراس بين أيدى قوية .. أو كور الدلكة التى تفتتها فى الصحن فى الايام الجميلة ..  هربت (غاية المنى) مع الاخرين الى الداخل فكل احياء النيل أصبحت أماكن حرب .. (عطية) الجريح خرج للمعركة يائساً غير هياب ، كل شئ يحترق أمام عينى (غاية المنى) ، الناس ، وحياتها ، والمنزل ..
(الحسن) الصبى أخذ حربة أبية المعلقة ، وخرج غير عابئ بمناداتها .. الليل والنهار أسود من الدخان .. والليل والنهار أبيض من النيران المتوهجة ..
علمت (غاية المنى) أن (الحسن) مات فقد دُمرت القبة بحراسها .. (عطية) سقطت على الاستحكامات التى كان يرتكذ خلفها دانات لم يعهدها فى حياتها فهرست المكان بمن فية ، كانت الاستحكامات على بعد خطوات من منزلهم ، فكأنة يحميها مرة أخرى من الرجل الابيض اللون ..
ركبت (غاية المنى) مركب وجدتة هو كذلك هائماً على وجة الموية ، واخذت تقدف مبتعدة الى ما تجيدة .. الوحدة والالم ..                        
المقطع التالت :
إستيقظت (غاية المنى) على صوت كلاب الخواجة .. فانتبهت مزعورة ، ثم وقفت بانتباة عندما برذت الخواجية من خلف السور متسائلة ..
كانت (غاية المنى) فى المطبخ تأكل بنهم ، وتجهذ (لعطية) الصغير الفطور للمدرسة ، الحمد للة أن المدرسة بعيدة من الحى ..
هناك فى منزل الخواجة علمت ان (الحسن) ترك العمل ، أو طرد بالاحرى منذ عدة شهور .. (الحسن) الاحمق رماة الخوجة بحذائة مستنكراً من حموضة الطعام ، فأسرها (الحسن) وأخذ حذاء الرجل ، وسلقة مع البصل والبطاطس حتى تحول لشوربة مايمكن أن نسمية شوربة حذاء ، ثم قدمة للخواجة الذى إذدردة مستمتعاً .. وعندما طلب حذائة لاحقاً ، رد (الحسن) ساخراً بأنة فى بطنك .. علمت (غاية المنى) ضاحكة ، أنة لولا خوف الفضيحة لأدخلة الخواجة السجن .. وفكرت إذاً ماذا كان يعمل (الحسن) خلال الشهور السابقة ؟ ..
كل ذلك كان فى بال (غاية المنى) ، التى جعلتها الخواجية مرافقة لها فى أعمال المطبخ والحديقة .. كانت (غاية المنى) تعمل بهمة محاولة إثبات وجودها ، بعد أن بلع الخواجة إعتراضة مع رجاءت زوجتة .. (عطية) كان يذهب للمدرسة عائداً للمنزل حيث تسكن (غاية المنى) فى ركن قصى فى غرفة بجانب الحديقة ..     
تسقطت أخبار (الحسن) فعلمت أنة رجع للقرية ، وتوفى بعد سنتين من ذلك .. كان أشد مايؤلمها أن يكون موتة بسبب حسرتة .. وعارة ..
كانت تختبئ فى  منزل الخواجة ، ولاتخرج إلا لماماً محاولة أن تجعل حياتها فى نجاة إبنها (عطية) من كل ذلك .. و(عطية) كان يتقافذ فى المدرسة ، كعصفور الجنة فى حديقة الخواجية .. أو كصعودها السلالم فى تلك الايام الخوالى مع صديقتها ذات الطفل ، وكانت الخواجية تربت علية مهدية إياة الهدايا القادمة من وراء البحار ..
دخل (عطية) المدرسة الحربية رغم إعتراضها .. كل من ترتبط بهم عنيدين ، لاتعلم لذلك سبب .. (عطية) (الحسن) ولدة ، و(الحسن) (عطية) ولدة .. كلهم عنيدين وتساقطوا من حولها بعنادهم .. و(عطية) أملها الاخير لن تدعة يموت هو الاخر ..
عندما كان يعود فى الاجازات متخطياً عتبة منزل الخواجية ، كانت ترى فية رجالة (عطية) مع الزكر المقطوع .. و(الحسن) مع حربتة المفلطحة ضد المدافع ذات الصوت العالى .. وحتى (الحسن) وقصة طبيخ الحذاء ، كانت تقدمة لسيدتها فخورة ، ولكنة لم يعد يقبل هداياها ، بل أصبح أقل إحتمالاً لوجود امة مع الخواجية وزوجها ..
لاحظت (غاية المنى) بأن (عطية) يبتعد عنها رويداً رويداً .. هو إحساس تراكمات الوحدة عندها والالم ، وهو لايخيب .. رفض إخبارها بما يحسة ، كان ينضج أسرع من عمرة ، وهذا مخيف .. (غاية المنى) فعلت ذلك ، ولا تذال تدفع الثمن ..
أخفت (غاية المنى) مخاوفها بدفن رأسها فى الحديقة ، والمطبخ ، وخدمة الخواجية الودودة .. وتجنب الخواجة المتجهم ، كثيراً ماكانت تراة وتتخيلة يمصمص فى الحذاء بمتعة ، كانت تضحك فجأة لوحدها .. الخواجة كان كأنة يحس بذلك ، فكان يرى فيها (الحسن) ، وكان كالنادم عندما صادف (عطية) فى عتبة الباب لابساً بدلة الطالب الحربى .. كان يحس بأن فى نظرات (عطية) حذاء أخر .. وزوجتة الخواجية تعذى كل ذلك لكرامتة المجروحة ليس إلا ، وتردف بعد كل هذة السنين ..
يوم تخرجة كانت (غاية المنى) تهتف وحدها (لعطية) فى الطابور مع بقية زملائة .. تتزكر زغاريدها عندما لبس الجلابية والمركوب ، وخرتاية القماش ، والمليم للدوم والقنقليز .. والزغاريد ، والتصفيق ، كأنة كان البارحة ، أو كأن البارحة هو اليوم عاد .. أو كأن الاثنان إختلطا فلا تعرف هل هى الان أم زمان .. و(غاية المنى) تزغرد حزينة فلا أحد معها يفرح(بعطية) .. حضنها (عطية) عندما وجد الفرصة ، بل وحملها وسط ضحك الاخرين المرح ، وضحكها المشوب بالحرج .. ثم وضع الطربوش العسكرى على رأسها .. كانت فرحة كدخول عطية عليها فى منزل الجالوص المقابل للجامع الكبير .. ولكنها تشم رائحة الخطر .. رائحة المراقبة .. رائحة الوحدة .. رائحة الخوف والالم ، تعرف هذة الروائح كما كانت تعرف روائح سيدتها الزيتية فى تلك الايام الخوالى .. تحوقلت وطردت الفكرة من رأسها ، ثم دعت كثيراً أن يجنبها الوحدة فى هذا العمر ..
و(عطية) أصبح غامضاً ووجهة كلة صرامة ، (كعطية) الهارب فى الظلام تجاه الابيض .. و(الحسن) بالرمح ذاهباً تجاة القبة .. و(الحسن) وهو يصفع الباب فى وجهها ذاهباً لغير رجعة ..
كان (عطية) يغيب عائداً أكثر قوة موشماً بالخدوش والجروح .. وفى مرة عانى من عرج لفترة ، كان ينال الدبورة الثانية ، وكان يذداد غموضاً ، ويذداد إبتعاداً عنها ، ثم وفى زياراتة النادرة لها كانت ترى فى عينية حذاء الخواجة أقوى كل يوم ..
وإذدادت رائحة الخطر والخوف والوحدة فى أنفها .. وعندما بدأت تترى تظاهرات اللواء الابيض كانت تتحوقل متزكرة الحصار والخوف .. كانت تدعوا كل يوم فى غرفتها القصية الاتعود تلك الايام ..
المقطع اربعة :
وفى ذلك اليوم عاد الجناينى الى المنزل خائفاً يرتعش يحكى للخدم و(غاية المنى) تحركات العساكر وإنتشار الجيش فى الشارع .. وإذدادت رائحة الخوف ، والوحدة .. حتى أنها أحست بطعمها مر مثل ملح بكائها فى حياتها السابقة ..   
لعلع الرصاص أخيراً .. المدافع ، الدانات ، أصوات الارجل الخائفة ، الضياع .. وعلامات الاستفهام هذة المرة تطل من فوق الحيط القصيرة متسائلة ..
كانت (غاية المنى) تتمنى أن تكون كتظاهرة المدرسة الحربية .. كانت فرحة ، وخائفة يومها ترفع يدها محيية العساكر المتحمسين ، وعينها على منزل سيدتها خوف أن تطردها الاخيرة ..
فى إحدى المرات كانت تقطع ميدان سبقتها فيه تظاهرة للشباب المتحمسين ، وكان لايزال الغبار عالقاً من بقايا الشكلة ، بل رأت عدد من الاحذية التى نسيها أصحابها ، هناك رأت .. اذن مقطوعة ، شكت فى الاول ، حتى أنها إنحنت رافعة الاذن اللينة فى يدها ، ثم رمتها خائفة .. كانت الاخبار صحيحة إذاً ، أن العساكر كانوا يضربون المتظاهرين بالسيوف ، قاطعين أذانهم ، وأطراف الاصابع .. كانت الكلاب تتنازع الاذان المقطوعة ، وزكرها ذلك بزكر الرجل الابيض اللون ..
كل ذلك كانت تحسة (غاية المنى) فى أنفها التى تتحسس المخاطر ، ولكن هذا اليوم مختلف ، وقلبها يزحف علية الظلام ، ليومين لم يخرج أحد من منزلة .. والخواجة نفسة لم يعود للبيت لتعرف منة الخبر ، وسيدتها المتوترة تنظر من خلف ذجاج النافذة ، بعد أن تركت الذهاب للحديقة ..
بعد يومين توقف القتال ، وخرج الناس من خلف الحيط الواطئة يستنشقون البارود فى الهواء ، فكأنهم الفئران تتأكد من القط الكامن فى الخارج .. أو الرصاصة فى مجرى البندقية عند التعمير .. أو الام المكلومة تتاوق للخارج بحثاً عن طفلها ، كانت (غاية المنى) كل ذلك تجرى فى الشوارع تسأل عن (عطية) .. " عسكرى بدبورتين ، ماشفتوهوا ، عيونوا صارة ، وجذابة فى وكت واحد .. هى .. داك الحسن ،لا ، عيونوا فيها جزمة مطبوخة " ..
بعضهم ظنها مجنونة ، الذى يعرفها هون عليها ، بأن (عطية) لا ريب عائد .. كانت تمشى فى الشوارع حيث العساكر السود مجدعين فى كل مكان ، كأنها أيام الحصار ، وهى تسارق النظرات للشارع للجثث ، أو كأنها أيام المدافع الكبيرة ، وجثث الناس وسط الحطام ..
كانت تهتف ، وترفع الاغطية عن وجوة العساكر ، الذين يبدون من بعيد كالنائمين ، وسط نهرات العساكر البيض اللون .. كان أحباب العساكر الميتين ، فى ظل الحوائط القريبة ، جالسين قصاد أحبابهم الميتين ينتظرون أن يسمح لهم بدفنها .. ليوم وليلة ، كانت الجثث تذين الشوارع ، نكاية منهم للرجل الابيض ، ونكاية الرجل الابيض لأهلهم ..
عادت (غاية المنى) نهاية اليوم حافية ، إكتشفت ذلك أمام عتبة الدار .. وجدت الخواجية تبكى بكاء مر ، حنّت عليها رغم كل شئ .. فهمت من الخدم ، بأن السيد قتل فى المعركة .. وعلمت بأن عساكر أخرين سيعدمون غداً ..
فى المنام رأت (عطية) يحمل حذاء فى يمينة ، وزكر مدمى فى يسارة .. ثم يضرب بكل ذلك فى رجل أبيض منبطح على بطنة ، وهى تقف ثلاث مرات بملابس  كاشفة فى منزل الجالوص أمام الجامع الكبير .. ثم بالتوب مع (عطية) ، وأخيراً مع (الحسن) .. كانت تزغرد (لعطية) الذى يجلد بقوة ، حتى سالت دماء غزيرة من الرجل الابيض اللون المستلقى على بطنة ، فغرقت هى واشباهها كلهم فى الدم ..  
 إستيقظت (غاية المنى) مزعورة ،وكيف لا تعرف كانت فى الترام وهى لا تحمل نقود .. كانت هناك بجانب النيل .. كل ألامها وأفراحها بجانب النيل ، تبداء هنا ، وتنتهى هناك .. كان الخلق كعادتهم فى تلك الحالات ، كالخلق يوم القط المتوحش .. ويوم المعركة الكبيرة .. ويوم شكلتها مع (الحسن) ، فجّت الجموع بقوة لا تعرف من أين أتت .. هناك فى الساحة كان (عطية) بملابسة العسكرية بدون طربوش .. سقطت على ركبها زاحفة تجاة الساحة ، هاتفة :
                            " مايختوا ليك الكديسة ياعطية " ..  
دفعها أحد الرجال البيض ، وناداها (عطية) من بعيد :
" ماتخافى يمة " ..
ولكن (غاية المنى) خبرت الخوف وخبرها هو أيضاً .. كلما تخطت عقبات الالم ، مدت عقبات جديدة .. فكأنها فى سباق لن ينتهى ليوم القيامة .. وقبل أن تفيق ، كان سوط الرصاص ذاتة ، ككل مرة ، ونفس رائحة البارود ، ومعة عيالة ، الخوف والالم ..
كانت (غاية المنى) بجانب جامع أرباب العقائد ، تحرث الارض بيدها المشققة ، وهى تهتف :
" ماشفتوا (عطية) ، ولا (الحسن) .. (عطية) أى واحد ، (الحسن) أى واحد " ..
كان الجمع حولها يحملق فيها بدهشة ، ويضربون يد بيد .. والدائرة حولها تتسع ، وتتسع ، وتتسع .. و(غاية المنى) تحس كأنها مراقبة ..

                                                         محمد مصطفى السودانى
                                                              0129224308   
مساعد تدريس جامعة العلوم والتقانة







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق