(شاهد
على العصر)
رحلة الحرب والسلام
التاريخ وقرأتة عمل صحى
إبتداءً ، وقرأتة على لسان معاصرية يعطية زخم أفضل لكتابة تهتم بالتفاصيل الحياتية
التى تفتقدها عادة كتب التاريخ المحكمة ، وثم يشمل قراءة هذا التاريخ ، رصد
الظواهر السلبية والايجابية ، فليس التاريخ سلبى وحرب كلة ، وليس سلاماً كلة أيضاً
، وأظنها طبيعة الاشياء ذاتها ..
العم (محمد على دليلى) ،
وجزورة من ريفى القولد بالولاية الشمالية ، عمل جندياً بالشرطة السودانية ، وشارك
فى تجربة حرب 1955 إبان الحرب الاولى فى الجنوب ، وعايش ذلك حتى الستينات ، ثم ترك
العسكرية ليمضى فى دروب التجارة والاندماج فى المجتمع الجنوبى حتى بداية
الثمانينات ، وتزوج جنوبيتين بدلاً عن واحدة ، ووسط ذلك عايش كل شئ ، الحلو والمر
، وأيضاً سمع من قريب ، وهو ماسيسردة لنا فى هذا الحوار ..
حدثنا عن سبب تورطك فى
حرب الجنوب ؟
نعم ، كان ذلك فى العام
1955 ، وكنا قد تخرجنا من معسكر الشرطة بعد تدريب 45 يوم فى إشلاق عباس ، وتحركنا
فوراً بعد بداء الحرب فى 1955 إلى مديرية الاستوائية
وكيف كان التحرك ؟
لم تكن الحكومة
السودانية حينها لديها طائرة عسكرية فارسل لنا (هيلاسلاسى) ملك الحبشة طائرة ،
وكذلك الملك (حسين) ملك الاردن أرسل لنا طائرة أخرى ، وهما الطائرتان اللتان نقلتا
الجيش ، والبوليس للجنوب
وماذا حدث هناك ؟
عندما وصلنا أجواء جوبا
وجدنا المتمردين مسيطرين على المطار ، فرجعت إحدى الطائرتين إلى ملكال ، أما
طائرتنا ، وكان قائدها الضابط (الطاهر المقبول) فأمر بفتح الشبابيك وإطلاق النار
على المتمردين من الطائرة ، وكان ذلك ، وطردنا المتمردين من المطار ، وهبطت
الطائرة بسلام ، ولاحقاً جاءات الطائرة الثانية
وبعد تأمين المطار ؟
كان مع الجيش دبابات قادرة
على العوم فى الانهار والمستنقعات ، فتحركنا إلى توريت ، وهى مركز قيادة التمرد ، واشتبكنا
مع المتمردين ، واحتلينا توريت
كيف كان الوضع فى توريت
عند دخولها ؟
وجدنا وضع بطال جداً ،
فى حى الجلابة (وكان يحوى المواطنين الشمالين) وجدنا المواطنين الشمالين مقتولين ،
تجد اسر كاملة مقتولة ، رجل وزوجتة واولادة ميتين ، وصادف أن ابناء الموظفين والتجار
من الطلاب وكانوا يعيشون فى الشمال ، كانوا حينها فى توريت فى إجازة المدارس ،
ووجدناهم تعرضوا لاعتداء من قبل المتمردين قبل قتلهم
كيف ذلك ؟
وجدنا الاولاد والبنات
مربوطين من أرجلهم بالحبال ، وثم تم الاعتداء عليهم ، وايضاً حرقوا بيوت ، ولوارى التجار
هل كنتم الدفعة الاولى
من العساكر التى تدخل توريت ؟
لا كنا الدفعة الثانية من
العساكر التى تدخل توريت ، وحكوا لنا عن فظائع من القصص ، مثل إحدى القصص عن تمرجى
جنوبى فى المستوصف ، كانت هناك إمرأة شمالية ، وطفلها بإنتظار الدخول على الطبيب ،
أمسك التمرجى بالطفل حتى تستعد الأم ، وكان الاتفاق أنّة فى لحظة صفر معينة ،
سيقوم المتورطين فى هذة الاحداث من الجنوبين بالانقضاض على الشمالين ، وحين جاءت
الساعة رمى التمرجى الطفل على بلاط المستشفى وقتلة ثم قتل الام !
هل كل الجنوبين كانوا
موافقين على ماحدث ؟
أبداً ، هناك شمالين نجوا
بسبب إختبائهم فى منازل جنوبين ، وهناك إثنان من العساكر الجنوبين هما (قُرا)
و(وانغو) أنقذوا الأسر الشمالية حيث خبوئهم ، وقام الازهرى بتكريمهم وترقيتهم فيما
بعد ، (قُرا) لاحقاً أصبح مدير سجون ، و(وانغو) أصبح يوزباشى بوليس
ماذا كان رد العساكر من المناظر التى حكيتها ؟
تعبانين شديد ، العساكر
لم يأكلوا لسبعة أيام من منظر الجثث ، كان الواحد يشرب الموية ويرجعها مباشرة
وكيف تصرفتم مع الجثث ؟
دفناهم مباشرة ، فالجثث
كانت فى حالة متأخرة ، ولم يكن هناك طريقة للغسل والتكفين
وهل تم القبض على
المتورطين ؟
بالتأكيد ، وحكموا عليهم
بالاعدام ، أحدهم قال للقاضى أثناء المحاكمة (أنا أصبعى بيوجعنى) ، سألة القاضى
لية ؟ رد علية (من ضغط الزناد أثناء قتلى للشمالين) !
لماذا وصل الوضع إلى ذلك
الحد أصلاً ؟
لم يكن هناك قوة عسكرية
شمالية ، فقط إثنان من الضباط ، ونجوا من المزبحة
وما هو رد فعل ضباطكم
بعد إستقرار الأمر ؟
كنا راغبين فى الاتنقام
بعد أن صدمنا بالمناظر ، ضابطنا حينها وأسمة (شمس الدين محمد) برتبة يوزباشى ،
أعطانا أوامر بعدم قتل الاطفال والنساء والرجال الكبار ، فكان الضابط يجمع العساكر
، ويعطوك مائة طلقة ، ويطلبوا منك أن تتحرك فى صفوف فى مختلف الاتجاهات ، ونهاجم
المتمردين ونرجع ، إذا وجدوا معك رصاصة واحدة بالخطاء ، يهينك الضابط هاتفاً فيك
(الطلقة دى مخليها لشنو؟)
وهناك قتلى منكم ؟
طبعاً ، نهاجم مناطقهم
فيموت منا ومنهم عدد
بصراحة ، هل كان هناك قتل لغير المسلحين ؟
نعم ، اليوزباشى (شمس
الدين محمد) أعطانا أوامر بأن (أوامرك فى ضبانة البندقية) ، يقصد الأداة فى مقدمة
ماسورة البندقية التى تستخدم للتنشين ، وهو تعبير مجازى ، يعنى أن أوامرك تأخذها
وحدك ، على حسب تقديرك
كمثال لذلك ؟
كنا ونحن نتحرك فى
المنطقة إن صادفك جنوبى مدنى لا يحمل سلاح، ولكنة نظر لك بحقارة ، وعدم إحترام ،
نطلق علية الرصاص مباشرة ، ونأتى بالمساجين لدفن الجثة
ولا تتعرض للمساءلة ؟
أبداً ، أصلاً الأوامر
من الضابط ، وكانت هذة طريقة للسيطرة عليهم ، وفرض هيبتنا
وماذا حدث بعدما هدأت
الأمور ؟
كان المواطنين قد نزحوا
للغابات ، فعادوا بعد أن هداءات الأمور ، ولكن التمرد موجود طبعاً ، فكنا نرسل
مخبرين ، بعضهم جنوبين وبعضهم شمالين لجمع الأخبار ، وكنا نسميهم (اسكاود) ، وعادة
مايكون جمع الاخبار فى مناطق الاندايات فى (كتور) ، (رجال مافى) ، (أطلع برة) ، و(خلى
بالك) .. فى هذة الأماكن يأتى المتمردين للانبساط ، ونجمع نحن المعلومات
وهم الا يتجسسوا عليكم ؟
بالتأكيد هم كذلك
يتجسسوا على عساكرنا فى الاندايات ذاتها ، وقد أحبط ذلك الكثير من العمليات لأننا
نجدهم غير موجودين فى المكاان المتوقع ، وصعب علينا جداً أن نهاجم مركزهم فى منطقة
حصينة فى الحدود مع يوغندا
وكيف تصرفتم ؟
كان حينها معنا المقدم
جعفر نميرى / الرئيس لاحقاً ، فقرر إقتحام المكان عبر يوغندا ، وحتى لا ينتقل
الخبر لم يخبر أحد بل فجأة جمع العساكر المتوفرين وتحرك بنا عبر الحدود اليوغندية
، وأقتحمنا معسكر جوزيف لاقوا ، وسيطرنا على المنطقة
وما كان رد فعل الحكومة
اليوغندية ؟
كان رئيسها (ابوتى)
صديقاً للسودان ، ولكن المفاجاءة عندما اقتحمنا معسكرهم ، وكان معهم رجل المانى
اسمة (اشنايتر) يقوم بتدريبهم ، وووجدنا دفاتر عليها أسماء شمالين ، ومومسات
يدفعوا إشتراكات للتمرد ، وتجار يتعاملوا معهم ، وقد فر الالمانى الى يوغندا
جريحاً ، وسلمتة الحكومة اليوغندية للسودان لاحقاً
وماذا فعلتم مع التجار ؟
حرقنا دكاكينهم عقاباً
لهم ، وكانت هناك أغنية شعبية شائعة حينها (أب شنباً كاجر .. أكال مال التاجر) ،
يقصدون العساكر الذين حرقوا دكاكين التجار
وبعد إنتهاء عملك العسكرى فى الستينات ؟
إتجهت للتجارة ، وكان لى
فى أوج نشاطى التجارى ، منزل بة مطعم ، وقهوة ، وأيضاً كشك ، وقطعتين أرض فى
الدرجة الاولى والتانية ، وعربة كومر ، ناهيك عن الزراعة
يعنى أنك اندمجت فى
مجتمع المنطقة ؟
جداً ، تزوجت جنوبيتين
من الاستوائية ، واحدة إسمها (بوجو) من الباريا ، وتوفيت ، والثانية (موجاة) وكنت
اسميها فاطمة من قبيلة (الكوكو) ، ولى منها ولدين مصطفى وصلاح
وعلاقة المجتمع الجنوبى
معاك ؟
كنت محترم جداً ، حتى
الاطفال يعرفونى ، وكنت اضمن الجنوبين فى المحكمة ، وفى احايين لا أكون أعرف حتى
اسم الشخص الذى ضمنتة ولا اسم قبيلتة ، وللمفارقة مافى زول خزلنى ، وهم يحترمون من
يتزوج منهم
وعلاقتك الان بالجنوب ؟
فى الحقيقة زوجتى
الشمالية، وابنها كانوا معى فى الجنوب ، ، واختلفت معها حول وجودى فى الجنوب ،
فقررت أن ارجعها للشمال ، فبعت كل شى ورحلتها للشمال ، وكانت نيتى العودة بعد أن
أوصلها ، لكنى لم أعد حتى اللحظة
مامصير ابنائك ؟
مصطفى أصبح ضابطاً فى
القوات المسلحة ، حاولت أن أعرف مكانة ولم اوفق
الان فى ماذا تفكر ؟
أفكر فى العودة والبحث عن
اسرتى بعد كل هذة السنين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق