الأربعاء، 25 يناير 2012


(شاهد على العصر)

رحلة الحرب والسلام

التاريخ وقرأتة عمل صحى إبتداءً ، وقرأتة على لسان معاصرية يعطية زخم أفضل لكتابة تهتم بالتفاصيل الحياتية التى تفتقدها عادة كتب التاريخ المحكمة ، وثم يشمل قراءة هذا التاريخ ، رصد الظواهر السلبية والايجابية ، فليس التاريخ سلبى وحرب كلة ، وليس سلاماً كلة أيضاً ، وأظنها طبيعة الاشياء ذاتها ..

العم (محمد على دليلى) ، وجزورة من ريفى القولد بالولاية الشمالية ، عمل جندياً بالشرطة السودانية ، وشارك فى تجربة حرب 1955 إبان الحرب الاولى فى الجنوب ، وعايش ذلك حتى الستينات ، ثم ترك العسكرية ليمضى فى دروب التجارة والاندماج فى المجتمع الجنوبى حتى بداية الثمانينات ، وتزوج جنوبيتين بدلاً عن واحدة ، ووسط ذلك عايش كل شئ ، الحلو والمر ، وأيضاً سمع من قريب ، وهو ماسيسردة لنا فى هذا الحوار ..

 

حدثنا عن سبب تورطك فى حرب الجنوب ؟

نعم ، كان ذلك فى العام 1955 ، وكنا قد تخرجنا من معسكر الشرطة بعد تدريب 45 يوم فى إشلاق عباس ، وتحركنا فوراً بعد بداء الحرب فى 1955 إلى مديرية الاستوائية

وكيف كان التحرك ؟

لم تكن الحكومة السودانية حينها لديها طائرة عسكرية فارسل لنا (هيلاسلاسى) ملك الحبشة طائرة ، وكذلك الملك (حسين) ملك الاردن أرسل لنا طائرة أخرى ، وهما الطائرتان اللتان نقلتا الجيش ، والبوليس للجنوب

وماذا حدث هناك ؟

عندما وصلنا أجواء جوبا وجدنا المتمردين مسيطرين على المطار ، فرجعت إحدى الطائرتين إلى ملكال ، أما طائرتنا ، وكان قائدها الضابط (الطاهر المقبول) فأمر بفتح الشبابيك وإطلاق النار على المتمردين من الطائرة ، وكان ذلك ، وطردنا المتمردين من المطار ، وهبطت الطائرة بسلام ، ولاحقاً جاءات الطائرة الثانية

وبعد تأمين المطار ؟

كان مع الجيش دبابات قادرة على العوم فى الانهار والمستنقعات ، فتحركنا إلى توريت ، وهى مركز قيادة التمرد ، واشتبكنا مع المتمردين ، واحتلينا توريت

كيف كان الوضع فى توريت عند دخولها ؟

وجدنا وضع بطال جداً ، فى حى الجلابة (وكان يحوى المواطنين الشمالين) وجدنا المواطنين الشمالين مقتولين ، تجد اسر كاملة مقتولة ، رجل وزوجتة واولادة ميتين ، وصادف أن ابناء الموظفين والتجار من الطلاب وكانوا يعيشون فى الشمال ، كانوا حينها فى توريت فى إجازة المدارس ، ووجدناهم تعرضوا لاعتداء من قبل المتمردين قبل قتلهم

كيف ذلك ؟

وجدنا الاولاد والبنات مربوطين من أرجلهم بالحبال ، وثم تم الاعتداء عليهم ، وايضاً حرقوا بيوت ، ولوارى التجار

هل كنتم الدفعة الاولى من العساكر التى تدخل توريت ؟

لا كنا الدفعة الثانية من العساكر التى تدخل توريت ، وحكوا لنا عن فظائع من القصص ، مثل إحدى القصص عن تمرجى جنوبى فى المستوصف ، كانت هناك إمرأة شمالية ، وطفلها بإنتظار الدخول على الطبيب ، أمسك التمرجى بالطفل حتى تستعد الأم ، وكان الاتفاق أنّة فى لحظة صفر معينة ، سيقوم المتورطين فى هذة الاحداث من الجنوبين بالانقضاض على الشمالين ، وحين جاءت الساعة رمى التمرجى الطفل على بلاط المستشفى وقتلة ثم قتل الام !

هل كل الجنوبين كانوا موافقين على ماحدث ؟

أبداً ، هناك شمالين نجوا بسبب إختبائهم فى منازل جنوبين ، وهناك إثنان من العساكر الجنوبين هما (قُرا) و(وانغو) أنقذوا الأسر الشمالية حيث خبوئهم ، وقام الازهرى بتكريمهم وترقيتهم فيما بعد ، (قُرا) لاحقاً أصبح مدير سجون ، و(وانغو) أصبح يوزباشى بوليس

 ماذا كان رد العساكر من المناظر التى حكيتها ؟

تعبانين شديد ، العساكر لم يأكلوا لسبعة أيام من منظر الجثث ، كان الواحد يشرب الموية ويرجعها مباشرة

وكيف تصرفتم مع الجثث ؟

دفناهم مباشرة ، فالجثث كانت فى حالة متأخرة ، ولم يكن هناك طريقة للغسل والتكفين

وهل تم القبض على المتورطين ؟

بالتأكيد ، وحكموا عليهم بالاعدام ، أحدهم قال للقاضى أثناء المحاكمة (أنا أصبعى بيوجعنى) ، سألة القاضى لية ؟ رد علية (من ضغط الزناد أثناء قتلى للشمالين) !

لماذا وصل الوضع إلى ذلك الحد أصلاً ؟

لم يكن هناك قوة عسكرية شمالية ، فقط إثنان من الضباط ، ونجوا من المزبحة

وما هو رد فعل ضباطكم بعد إستقرار الأمر ؟

كنا راغبين فى الاتنقام بعد أن صدمنا بالمناظر ، ضابطنا حينها وأسمة (شمس الدين محمد) برتبة يوزباشى ، أعطانا أوامر بعدم قتل الاطفال والنساء والرجال الكبار ، فكان الضابط يجمع العساكر ، ويعطوك مائة طلقة ، ويطلبوا منك أن تتحرك فى صفوف فى مختلف الاتجاهات ، ونهاجم المتمردين ونرجع ، إذا وجدوا معك رصاصة واحدة بالخطاء ، يهينك الضابط هاتفاً فيك (الطلقة دى مخليها لشنو؟)

وهناك قتلى منكم ؟

طبعاً ، نهاجم مناطقهم فيموت منا ومنهم عدد

 بصراحة ، هل كان هناك قتل لغير المسلحين ؟

نعم ، اليوزباشى (شمس الدين محمد) أعطانا أوامر بأن (أوامرك فى ضبانة البندقية) ، يقصد الأداة فى مقدمة ماسورة البندقية التى تستخدم للتنشين ، وهو تعبير مجازى ، يعنى أن أوامرك تأخذها وحدك ، على حسب تقديرك

كمثال لذلك ؟

كنا ونحن نتحرك فى المنطقة إن صادفك جنوبى مدنى لا يحمل سلاح، ولكنة نظر لك بحقارة ، وعدم إحترام ، نطلق علية الرصاص مباشرة ، ونأتى بالمساجين لدفن الجثة

ولا تتعرض للمساءلة ؟

أبداً ، أصلاً الأوامر من الضابط ، وكانت هذة طريقة للسيطرة عليهم ، وفرض هيبتنا

وماذا حدث بعدما هدأت الأمور ؟

كان المواطنين قد نزحوا للغابات ، فعادوا بعد أن هداءات الأمور ، ولكن التمرد موجود طبعاً ، فكنا نرسل مخبرين ، بعضهم جنوبين وبعضهم شمالين لجمع الأخبار ، وكنا نسميهم (اسكاود) ، وعادة مايكون جمع الاخبار فى مناطق الاندايات فى (كتور) ، (رجال مافى) ، (أطلع برة) ، و(خلى بالك) .. فى هذة الأماكن يأتى المتمردين للانبساط ، ونجمع نحن المعلومات

وهم الا يتجسسوا عليكم ؟

بالتأكيد هم كذلك يتجسسوا على عساكرنا فى الاندايات ذاتها ، وقد أحبط ذلك الكثير من العمليات لأننا نجدهم غير موجودين فى المكاان المتوقع ، وصعب علينا جداً أن نهاجم مركزهم فى منطقة حصينة فى الحدود مع يوغندا

وكيف تصرفتم ؟

كان حينها معنا المقدم جعفر نميرى / الرئيس لاحقاً ، فقرر إقتحام المكان عبر يوغندا ، وحتى لا ينتقل الخبر لم يخبر أحد بل فجأة جمع العساكر المتوفرين وتحرك بنا عبر الحدود اليوغندية ، وأقتحمنا معسكر جوزيف لاقوا ، وسيطرنا على المنطقة

وما كان رد فعل الحكومة اليوغندية ؟

كان رئيسها (ابوتى) صديقاً للسودان ، ولكن المفاجاءة عندما اقتحمنا معسكرهم ، وكان معهم رجل المانى اسمة (اشنايتر) يقوم بتدريبهم ، وووجدنا دفاتر عليها أسماء شمالين ، ومومسات يدفعوا إشتراكات للتمرد ، وتجار يتعاملوا معهم ، وقد فر الالمانى الى يوغندا جريحاً ، وسلمتة الحكومة اليوغندية للسودان لاحقاً

وماذا فعلتم مع التجار ؟

حرقنا دكاكينهم عقاباً لهم ، وكانت هناك أغنية شعبية شائعة حينها (أب شنباً كاجر .. أكال مال التاجر) ، يقصدون العساكر الذين حرقوا دكاكين التجار

 وبعد إنتهاء عملك العسكرى فى الستينات ؟

إتجهت للتجارة ، وكان لى فى أوج نشاطى التجارى ، منزل بة مطعم ، وقهوة ، وأيضاً كشك ، وقطعتين أرض فى الدرجة الاولى والتانية ، وعربة كومر ، ناهيك عن الزراعة

يعنى أنك اندمجت فى مجتمع المنطقة ؟

جداً ، تزوجت جنوبيتين من الاستوائية ، واحدة إسمها (بوجو) من الباريا ، وتوفيت ، والثانية (موجاة) وكنت اسميها فاطمة من قبيلة (الكوكو) ، ولى منها ولدين مصطفى وصلاح

وعلاقة المجتمع الجنوبى معاك ؟

كنت محترم جداً ، حتى الاطفال يعرفونى ، وكنت اضمن الجنوبين فى المحكمة ، وفى احايين لا أكون أعرف حتى اسم الشخص الذى ضمنتة ولا اسم قبيلتة ، وللمفارقة مافى زول خزلنى ، وهم يحترمون من يتزوج منهم

وعلاقتك الان بالجنوب ؟

فى الحقيقة زوجتى الشمالية، وابنها كانوا معى فى الجنوب ، ، واختلفت معها حول وجودى فى الجنوب ، فقررت أن ارجعها للشمال ، فبعت كل شى ورحلتها للشمال ، وكانت نيتى العودة بعد أن أوصلها ، لكنى لم أعد حتى اللحظة

مامصير ابنائك ؟

مصطفى أصبح ضابطاً فى القوات المسلحة ، حاولت أن أعرف مكانة ولم اوفق

الان فى ماذا تفكر ؟

أفكر فى العودة والبحث عن اسرتى بعد كل هذة السنين  

   

 

  

  

       

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق