الجمعة، 20 يناير 2012

كتابات سودانوية .. حلايب في ظلال علم النفس (1)


كتابات سودانوية
حلايب في ظلال علم النفس
( هذه محاولة لاستقراء احتلال حلايب من خلال عين علم النفس .. نحاول فيها استشفاف الشخصية السودانية ، وحالة المجتمع في هذه المرحلة ، يساعدنا ذلك في تحديد موقع قدمنا من كل شئ ) ..

انا علي يقين كامل بأنه في تاريخ السودان الحديث سيقراء احتلال حلايب في مطلع التسعينات بأنه مرحلة فارقة بين مرحلتين ، ليس في علاقة السودان ومصر فحسب .. ولكن علي مستوي علاقة السودان بنفسة ، اقصد بعملية اعادة تعريف نفسة في محيطة ، وازالة التراب عن حدودة الوجدانية .. وتحديد المسافة بينة والاخرين بعامة .. في اعادة تعريف كاملة لسودان بين زمنين ، الزائر لة بعد غياب ، لن يتعرف علية الا بعد تعب !..
وما المخاض الظاهر على اخر حروبنا الداخلية .. والسكوت بالمقابل عن اراضي سودانية ، في حلايب ، سكان ، وموارد ! .. والاهم معني السيادة المهدر ، ومستوي هيبتنا الاقليمية ..اقول ما كل ذلك الا اشارات وصولنا لحضيض ضعفنا وهواننا علي انفسنا قبل هواننا عند الناس ..
وهو اذا شئت ابرز اشارات نهوضنا بالمقابل ! نعم كزلك .. لأننا لا ننهض الا بعد ان يستنفذ (هروبنا النفسي) من مواجهة الحقائق غرضة .. ولا يعود هناك ثمة مكان للهروب ، ولا تعود الحيل النفسية قادرة علي الاجابة علي الاسئلة .. حينها فقط نبداء في مواجهة مشاكلنا وتسمية الحاجات باسمائها .. فتصبح (الازمة بين البلدين الشقيقين) ! ، الي (احتلال حلايب من قبل القوات المصرية) ، وتجنب المواجهة اللفظية بالمناسبة هو بوخ تجنب مواجهة نفسية بالمقابل ، علي ضوء المثل الشهير ! ..
وتسميه الحاجات باسمائها ، يعني خروجها من داخلنا (هيبة) تساهم في اتخاذ القرار كما راينا خلال حوالي ال 19 سنة من احتلال حلايب ..الي تحدي ميداني نجد لة العلاج المناسب ! وهي اذا لاحظت نقلة كبيرة على المستوى النفسي ، تتخطي تحرير حلايب قطعة (الواطه المسطحة) لصالح تحرير السودان من (الهيبة المصرية) ، وهو ما يساعدنا بدورة في تحريرنا من (هيبة الغريب والاخر) لا يبداء ذلك من ملكة (ترنداد وتباغو) المزعومة ، ولكن ينتهي في الاحتلال المصري لحلايب .. وما (الهيبة المصرية) الا سقفها لأنها هيبة بجزور تاريخية ، وهو ما سيخلص لزبدة التحرير ، اقصد تحرير (السودان من ضعفة) ! .. لأنه إن كان هناك الواقع الميداني الرسمي المصري في حلايب ، فأين هو جيش ملكة (ترنداد وتباغو) المزعومة ؟ .. اقول انهم ليسوا اقوياء بل نحن في قمة ضعفنا ..
قلت من الاول ان احتلال حلايب سيغيرنا بعمق .. لأننا سنكتشف ان حلايب ، اقصد احتلالها .. هو ليس مشكلة بل نتيجة ! .. فالصورة مقلوبة بدعوتك لتحريرها ، لأنها في حقيقتها العميقة (ثمرة مرّة من شجرة ضعفنا) .. علينا ان (نقرمها) كما هي ، اقصد (تفهمها) كلها بموت حرس حدودها ، وتسويرها بالسلك الشائك ، ومنع سكانها من الخروج والدخول الا بتصريح ، ورفض (تنازل التفاوض حولها) ! ..
عليك ان تأكل ثمرة ضعفنا كما هي ، او واجة الحقائق الميدانية ! .. وفي الحالة الاخيرة سنكتشف اننا لسنا امام قدرة ميدانية مصرية ، بل امام ارادة مصر ! .. اقصد امام قهر تاريخي غامض ، كوقوفنا امام البيت المسكون ، مرعوبين من خروج الجني من اصبعنا الكبير ! ، ونحن نقف بدورنا امام البيت المسكون في حلايب خائفين ان يطلع المصري بأصبعنا الكبير ! ، وهو يفسر اتفاقنا غير المكتوب بتجنب مواجهة (قصة موت معلن) ، دولة ، مبدعين ، احزاب ، اعلام ، مجتمع ، وحتي مواطني شرق السودان .. فنحن في النهاية نعود لذات المخاوف ، والجزور التاريخية المشتركة !..
وعلية فان تحرير حلايب يكون بطريقة (الشجرة المقلوبة) أي تحرير ذاتنا من ضعفها .. وهو ما سيساعدنا في ان نتحرر من هيبة الغريب والاخر ، وبالمقابل نتحرر من سقف هيبة الغريب والاخر ، الهيبة المصرية على الوجدان السوداني .. وحينها تصبح حلايب ، اقصد عودتها محض (ثمرة حلوة في شجرة قوتنا الجديدة) ..
حتي اشعار اخر فالواقع الميداني هو وقوفنا امام (البيت المسكون) في حلايب خائفين من طلوع المصري من اصبعنا الكبير ! وهو اذا لاحظت نوع هيبة لا علاقة لها بالتعليم ، والتثقيف ، والعمر .. فأنت هنا تستجيب لمخاوف قديمة ، وعادات غامضة ، فهي اقوي من قدرة الافراد في الاول ، وثم هي شوكة دخلت بدرب معنوي من ضعفنا امام الغريب والاخر ، وخروجها يكون بدرب معنوي مقابل ، اقصد عودة الثقة بالذات السودانية ..
وهو يفسر لك وقوفنا هيابين متجنبين مواجهة ذلك ، الا من ردود افعال ترتبط عادة مع معني مستفذ ، يساعدنا علي القفز من فوق (عتبة الهيبة المصرية) ! والعودة لاحقاً (للحالة النفسية) الحقيقية للمرحلة..
فأنت لا تخبر شخص اكل عيشوا من التحليل حول معني الامن القومي لأي مجتمع (سوي) ، يعيش (ظروف نفسية طبيعية) ! .. ولا تخبر مبدع بأن المبدع ضمير زمنوا .. لتحفزه علي كتابة قصيدة من خمسة ابيات علي ورقة( A4 ) رخيصة ! .. هذا أشبه بأن تخبر امام جامع بكيفية الصلاة بالناس ! .. 

   نحن اولاد قهر التاريخ والجغرافيا ..  ولا يزال في ردانا شئ من الكديسة المتوحشة ، ولا يزال في ظهرنا شئ من اثر الكرباج ابي ان ينغلق كالسبة ! ، ولايزال في دبرنا شئ من الخازوق  ، والسوداني يلاقي السوداني الاخر ، ويرد علي امر جلل بقولة " الللة ، ركب فينا خازوق " ! وهو تعبير لبوخ بطن تمور بالمخاوف ..
نحن اسري العادات الغامضة ، نتاج التاريخ القاهر ، والمتفوق .. ويصبح ذلك بمثابة شارع من اتجاهين ، او دولاب من ضلفتين .. فشارع يدخل الهيبة المصرية على الوجدان السوداني ، والاخر يدخل احتقار السودان في الوجدان المصري .. فاحتلال اراضينا ، والمطالبة بمزيد من الاراضي ، هو شئي يتخطى الاستقواء لصالح (الحالة النفسية) ! .. وبالمقابل فمنح مزيد من الاراضي لمن هو سلفاً احتل اراضيك ، رافضاً تنازل التفاوض ، هو شئي يتخطي الضعف لصالح (الحالة النفسية) كزلك! ..
بتعبير اخر نفتح نحن الضلفه التي تخصنا من التاريخ ، فتخرج الخوازيق تملانا بالمخاوف ! .. فيما هم يفتحون ضلفتهم فاذا بتواريخ من الاحتلال والقهر ، تملاهم بشعور مدعي بالتفوق ! وليست قصة الحضري من (كفر البطيخ) علينا ببعيد !..
فحلايب تتخطي معناها المسطح كقطعة ارض علي ناصية البحر الاحمر .. لصالح انها راس جبل الجليد لتراكم من القهر والتفوق المصري .. وكزلك كالحمي ، رمزية واشارة ودليل ، يعلمنا ان هناك ثمة وجع ببطن المريض .. ومن المعروف ان هذة الحمي لا يتم علاجها الا بمعرفة سببها الحقيقي .. (حمي) حلايب اقصد احتلالها والسكوت عنها بالمقابل ، تعلمنا أن ثمة (وجع) في العلاقة مع الاخرين في رمزية مصر ، (وجع) في ثقتنا في ذاتنا ، (وجع) في معني الامن القومي ، (وجع) في معني الهوية تجاه الاف السودانين وراء سلك شائك (غزة) السودانية ، نلفظهم بتجاهلنا ، (وجع) في بطن ذات نخبنا التي ننتظر ان تساعدنا في ان نتحرر من مخاوفنا ، ننتظر ان يمنحنا احدهم من كيسة الفاضي ، فانظر (جودو) جيلنا المسكين ! ..
(فوبيا) هيبة الغريب والاخر ، وسقفها المصري ، هي كالفوبيا الحرفية ، والتي في تعريفها البسيط ( خوف غير مبرر) ! .. كمثال خوف غير مبرر ، ان يقفز رجل بالغ ببدلة فوق كرسيه لمراء (فار) ! .. ولا معني ان تخبره حول ضالة الفار ، لأن المعني اصلاً لا علاقة له بمنطق ، بل هو خوف بسبب جزور غامضة ..  
تعرفنا بالمقابل علي هذه الجزور ، لن يحررنا مباشرة من مخاوفنا كما قد يبدوا ، ولكن بالمقابل ، سيضعنا ذلك في البداية الصحيحة ، لدرب في مواجهة نفسنا اللوامة ، طويل نعم  ، ولكنة سيصل لمقاصده بدون شك ..
ولكن مواجهة الحقائق ، وتسمية الحاجات باسمائها ، والاعتراف بها في الاول وقبول قوانينها ، هو اشارة النفسيات القوية والصحيحة .. ونحن بالمقابل في مرحلة ضعيفة نفسياً ، نميل فيها لتجنب المواجهة ، والهروب لقدام ، متكيفين معا ما هو خطير، وما بتقدر .. ففي هذه الحالات تكون (الحيل النفسية) هي ما يتبقي للناس بان يصنعوا حولهم كبسولة من شأنهم ، ما يرغبوا في ان يكون ، لا ما هو موجود في الميدان ! .. وفي حالتنا نقوم بإدخال قهر الاخرين كجزء من العلاقة ، فلا يعود ذلك مستفذ ، فننوم دون ان نحتقر انفسنا ! ..  
 لأنه اصلاً يتضخم جواك الغريب والاخر ، عندما تهون علي نفسك في الاول ! .. والضعيف هو الذي يجذب المتنمرين ! .. وتسقط في النفوذ عندما تكون مستعد لذلك فقط ..
فالأسئلة الصحيحة في مناسبتنا هذه هي ، ليس لماذا احتلوا حلايب ، بل لماذا سكتنا عنها ؟ .. ليس الهم الاول تحريرها ، بل تحرير الوجدان السوداني من ضعفة .. ليس الحديث حول حلايب الارض المسطحة ، بل المعني الرمزي الذي علمنا ان ثمة تسريب في ثقتنا في نفسنا ! .. ليس الحديث عن مصرهم ، بل سوداننا .. ليس سقوط حلايب بسبب قوتهم .. بل ضعفنا ..
(نواصل)

   






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق